سياسة واقتصاد

سمير بللقيه ناطق رسمي قديم في عهد الذكاء الاصطناعي

ابراهيم بوليد

لم يسأله الصحافي عن تشكيلة الحكومة.

ولم يسأله عن اللجنة الوزارية، ولا عن إعادة تدوير نفس الوجوه.


سأله عن شيء محدد، وخطير، وحساس.


سأله عن وزير التعليم العالي، عندما قال في مجلس النواب عبارة زواج مونغولي.


عبارة وصفها كثيرون بأنها سقطة أخلاقية، وإساءة لذوي الاحتياجات الخاصة، ولا تليق بوزير، ولا تليق أصلا بمسؤول يتحدث في البرلمان، فكيف إذا كان وزيرا للتعليم العالي، أي وزيرا للجامعة، للعلم، للأخلاق، للقيم؟


كان السؤال واضحا: كيف تعلق الحكومة على هذا الكلام؟ وهل تقبل به؟ وهل ستعتذر؟


لكن الناطق الرسمي باسم الحكومة لم يفهم السؤال، أو لم يرد أن يفهمه، أو تعالى عليه.


بدل أن يجيب كمسؤول حكومي، وبدل أن يستحضر الدستور والأخلاق والمسؤولية، أجاب بعبارة من زمن آخر:


هداك وزير صاحب الجلالة.


السؤال كان أخلاقيا، والجواب كان سلطويا


الصحافي لم يسأل عن السياسة. سأل عن الأخلاق.


سأل عن وزير قال كلمة جارحة في حق فئة هشة في المجتمع، فئة من المفروض أن تحميها الدولة، وأن تدافع عنها الجامعة، وأن تحترمها الحكومة.


كان من المفترض أن يكون الجواب: نعتذر، وسنصحح، ولا نقبل بهذا الخطاب.


كان من المفترض أن يقول الناطق: الحكومة ترفض أي خطاب يمس كرامة المواطنين.


لكنه لم يقل ذلك. قال: وزير صاحب الجلالة.


أي: لا تسألني عن الأخلاق. لا تسألني عن الكلمة. لا تسألني عن الاعتذار. فهذا الوزير فوق السؤال.


تحول النقاش من سؤال أخلاقي إلى تهديد سلطوي.


الناطق لم يستوعب دوره


الناطق الرسمي باسم الحكومة لم يختر ليكون حاجبا يمنع الأسئلة، ولا ليكون محاميا يدافع بالصفة.


اختير ليكون صوت الحكومة، وعقلها التواصلي، وذاكرتها الدستورية.


ومن المفترض أن يكون الأذكى، والأكثر تكوينا، والأكثر فطنة، لأنه يتحدث باسم كل الوزراء.


لكن في تلك اللحظة، أثبت أنه لم يستوعب دوره.


لم يستوعب أن السؤال لم يكن عن الملك، ولا عن التعيين، ولا عن الثقة. كان عن كلمة قالها وزير، وعن مسؤولية حكومة بكاملها تجاه تلك الكلمة.


ولما عجز عن الجواب، لجأ إلى الحصانة اللغوية: وزير صاحب الجلالة.


وهذا هو الفشل بعينه. عندما يعجز الناطق عن الكلام، يلجأ إلى الصفة. وعندما تغيب الحجة، تحضر الهيبة المصطنعة.


وزير صاحب الجلالة لا وجود لها في الدستور


دستور 2011 لا يعرف هذا المصطلح.


يعرف وزيرا في حكومة المملكة المغربية، يعينه الملك باقتراح من رئيس الحكومة، ويحاسبه البرلمان، وينتقده الشعب، وتسائله الصحافة.


الملك له ديوانه ومستشاروه، أولئك هم رجال صاحب الجلالة.


أما الوزير، فهو موظف عمومي سام، يتقاضى أجره من أموال الشعب، ومسؤول عن كل كلمة يقولها، وكل قرار يتخذه.


أن يقول الناطق إن الوزير وزير صاحب الجلالة، معناه أنه يريد أن يجعل كلمة زواج مونغولي غير قابلة للنقد، لأن قائلها فوق النقد.


وهذا أخطر ما في الأمر. فهو لا يدافع عن الوزير فقط، بل يدافع عن الخطأ الأخلاقي نفسه، ويجعله محميا بالصفة.


وهو بذلك لا يدافع عن الملك، بل يقحم الملك في سقطة أخلاقية لا علاقة له بها. فالملك ليس مسؤولا عن كلمة قالها وزير في البرلمان. المسؤول عنها هو الوزير نفسه، والمسؤول عن التعليق عليها هو الناطق الرسمي.


سمير بلفقيه: لم يفهم السؤال، فأهان الجواب


الصحافي قام بدوره. سأل سؤالا محرجا، لكنه سؤال ضروري، وشجاع، ومهني.


أما الناطق الرسمي، فلم يرض عن السؤال، ولم يفهم السؤال، وتعالى على الإجابة.


بدل أن يعتذر باسم الحكومة، وبدل أن يستحضر الدستور، وبدل أن يدافع عن كرامة المواطنين الذين أهينوا بتلك العبارة، اختار أن يختبئ وراء عبارة: وزير صاحب الجلالة.


وبهذا، أثبت أنه لم يستوعب بعد أن مكانته ليست أن يمنع الأسئلة، بل أن يجيب عنها.


وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث كل كلمة موثقة، وكل فيديو منتشر، وكل سقطة محفوظة، لا يمكن أن تخفي الخطأ الأخلاقي وراء الصفة.


الوزير ليس وزير صاحب الجلالة.


الوزير وزير في حكومة المغرب، يحاسبه البرلمان، وينتقده الصحافي، ويحاسبه الشعب، ويسأل عن كل كلمة يقولها، خاصة إذا كانت كلمة تمس كرامة الناس.


أما وزير صاحب الجلالة، فهي عبارة من زمن كان فيه المسؤول فوق السؤال.


ذلك الزمن انتهى.