لا يزال كثير من المغاربة لا يستوعبون الأهمية التاريخية الحاسمة للمسيرة الخضراء ولا حجم تأثيره في رسم معالم مستقبل المغرب، وكيف مكنت بلادنا من إحباط المؤامرة الإسبانية الجزائرية التي حِيكت على مدى سنوات، وكان هدفها إقامة دويلة في جنوب المغرب.وتكمن عبقرية ذلك القرار وأهميته الاستراتيجية في أنه باغت الجزائر وإسبانيا في لحظة كانا فيها يعتقدان أن جميع موازين القوى تميل ضد المغرب، وأن مخططهما يسير على أكمل وجه، وأن كل الظروف باتت مهيأة لتحقيق هدفهما.
ولعل حالة الهستيريا والغضب العارم التي انتابت بومدين فور إعلان الملك الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة الخضراء، ثم اشتداد تلك الحالة عندما أدرك، بعد مرور أيام من شهر نونبر، أن جميع مساعيه لإفشالها قد باءت بالفشل، خير دليل على حجم الصدمة التي أحدثها القرار الملكي، ومدى نجاح الحسن الثاني في مباغتة خصوم المغرب وإرباك حساباتهم وقلب موازين اللعبة رأساً على عقب.
لقد كانت المسيرة الخضراء ضربة استراتيجية بارعة لم يتوقعها خصوم المغرب، وجسدت بوضوح بُعد نظر الملك الحسن الثاني وقدرته على اتخاذ قرار حاسم في اللحظة التي كان فيها خصومه يعتقدون أن مشروعهم أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقق.






