هذه الوثيقة هي رسالة بعثها السلطان المغربى مولاي اسماعيل العلوي الشريف الحسني، بعد عودة مبعوث السلطان، باشا تطوان الحاج محمد تميم، من قصر فرساي بباريس بأسابيع قليلة، حيث التقى بالإمبراطور الفرنسي لويس الرابع عشر وتفاوض معه لإطلاق الأسرى من الجانبين.
نص الوثيقة بأمانة ودقة :
"بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على مولانا النبي بعد
من عبد الله تعالى الإمام ملك المغرب وما والاه من أقطار الإسلام أمير المؤمنين المجاهد في سبيل رب العالمين الشريف الحسني
أيد الله أوامرنا وخلد معالمنا الكريمة ومآثرنا، آمين.
إلى عظيم الروم، الإنبراضور ببلاد فرنسة، الرابع عشر من هذا الاسم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد،
اعلم أنه بلغنا أصحابنا صحبة كتابك، وذكروا لنا خيرك ومباشرتك لهم، وشكروا لنا فعلك معهم واستحسنوا برورك بهم وفرحك بجميعهم، فكذلك ينبغي أن تكون إذ أنت من سلالة عظيم الروم الذي كتب له جدنا وسيدنا، فلا نرضى نحن أن نتكلم إلا معك لأنك قابض على أمرك وكلام طاعتك مقصور على رأيك، وأما الأجناس الأخرى فكلامهم عند أهل ديوانهم ولا يبلغون منزلتك عندنا أبدا لما نعلم من علو همتك عليهم، فأنت الذي تستحق أن تكون الإنبراضور على سائرهم، ولا يستحق تاجهم إلا أنت لأن يدك هي العليا عليهم بحذافيرهم، وفي اليوم الذي يصلنا انبساضور من عندك فلا يعود إليك إن شاء الله إلا بما يسرك ويرضيك وكذلك عندنا إلا ما تريده وتشتهيه في خاطرك، والسلام، وكتب خامس عشر ربيع الثاني ثلاثة وتسعين وألف."
انتهى نص الرسالة الوثيقة.
كُتبت هذه الرسالة الدبلوماسية الفريدة في الأربعاء 22 أبريل 1682 ميلادية، الموافق لـ 15 ربيع الثاني 1093 هجرية، عقب عودة مبعوث السلطان، باشا تطوان الحاج محمد تميم، من قصر فرساي بباريس بأسابيع قليلة.
وقدجاءت هذه المراسلة في إطار خطوة حاسمة لتنظيم الملاحة في البحر الأبيض المتوسط والحد من المواجهات البحرية الشرسة التي خلفت أعدادا كبيرة من الأسرى في كِلا الجانبين. وكان وجود هؤلاء الأسرى والمطالبة بافتدائهم هو المحرك الأساسي لهذه الحركة الدبلوماسية النشطة، حيث كان الأسرى الفرنسيون قد سقطوا في يد المغاربة عبر الجهاد البحري ونشاط الأسطول المغربي، خاصة قراصنة سلا، الذي كان يعترض السفن التجارية الأوروبية في أعالي البحار، وهو النشاط الذي اشتد بقوة منذ بداية سبعينيات القرن السابع عشر مع اعتلاء السلطان مولاي إسماعيل العرش.
وتعود فترات أسر الرعايا الفرنسيين والمسيحيين عموما، الذين تم التفاوض حول إطلاق سراحهم بين الملك المغربي مولاي اسماعيل العلوي والملك الفرنسي لويس الرابع عشر، إلى مواجهات بحرية متفرقة امتدت بين عامي 1670م و1681م، ومن أبرز الأسرى، الأسير الفرنسي الشهير "جرمان مويط" Germain Moüette الذي تم أُسره في البحر عام 1670م وقضى إحدى عشرة سنة في مكناس وسلا قبل أن يفتديه الرهبان الفرنسيون قبيل هذه السفارة مباشرة في يوليو 1681م.
وفي هذا السياق، سعى السلطان مولاي إسماعيل من خلال رسالته الموجهة للملك لويس الرابع عشر إلى وضع أسس متينة لتبادل هؤلاء الأسرى المسلمين والمغاربة المحتجزين في فرنسا، مقابل إطلاق سراح الرعايا الفرنسيين في سلا ومكناس.
وتزامن هذا الملف الإنساني المعقد مع سياق سياسي محلي ودولي دقيق كان يمر فيه المغرب بمرحلة تثبيت دعائم الدولة العلوية الحديثة وتأسيس جيش نظامي قوي قادر على تحرير الثغور البحرية من الاحتلال الإسباني والإنجليزي.
وبما أن إسبانيا كانت عدوا مشتركا لكل من المغرب وفرنسا في تلك الحقبة، فقد تقاطعت المصالح السياسية والعسكرية بين الطرفين، مما انعكس على اللغة الدبلوماسية للسلطان مولاي إسماعيل التي اتسمت بالندية الصارمة المغلفة بالبراعة والذكاء السياسي العالي.
واستند السلطان في خطابه إلى استراتيجية ذكية تقوم على التلطّف، استهدفت كبرياء الملك لويس الرابع عشر لعزله معنويا وسياسيا عن بقية ملوك أوروبا، وفرض المغرب من خلال هذا النص لغة دبلوماسية تقوم على المخاطبة المباشرة من رأس الدولة إلى رأس الدولة حصرا، مع رفض تقديم أي تنازلات عبر الوزراء أو الوسطاء ترفعاً بمقام السلطنة.
كما حمل نص الرسالة توظيفا دينيا وتاريخيا بالغ الأهمية عبر ربط رتبة ملك فرنسا بالرسائل النبوية التاريخية التي وجهها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عظيم الروم، وهي إحالة ذكية تضع الملك الفرنسي في حجمه التاريخي والسياسي المعتمد في المنظور الإسلامي، وتبرر في الوقت نفسه بناء علاقات دبلوماسية وتجارية مباشرة ومستقلة معه.
وفي تلك الفترة، كانت القارة الأوروبية تعيش مخاضا سياسيا وعسكريا عنيفا تميز بالصعود الصاروخي لفرنسا التي أصبحت قوة عظمى ومهيمنة في غرب أوروبا تحت حكم لويس الرابع عشر، الذي كان يمثل نموذج الاستبداد الملكي المطلق الممسك بزمام الحكم وحده دون منازع.
وقد انقسمت أوروبا آنذاك بين هذا النموذج القوي وبين ممالك ودول أخرى تآكلت فيها سلطة الملوك لصالح البرلمانات والمجالس، وهو ما وعاه الفكر الدبلوماسي المغربي وعبر عنه بدقة عند وصفه للأنظمة السياسية المنافسة لفرنسا بأن كلامهم وقرارهم معقود عند أهل ديوانهم، مما جعل السلطان يفضل حصر حواره مع الملك الذي يملك استقلالية تامة في اتخاذ القرار النافذ.
وقد انعكست هذه التوازنات على النظرة الأوروبية للمغرب في عهد السلطان مولاي إسماعيل، حيث كانت نظرة هيبة وتوجس وحذر، بعيدة كل البعد عن موازين القوى اللاحقة في عصر الاستعمار.
فقد نظر الغرب إلى الإمبراطورية المغربية الشريفة على أساس أنها قوة بحرية ضاربة قادرة على تهديد خطوط التجارة الدولية عبر الجهاد البحري، مما دفع القوى الأوروبية الكبرى للتسابق على خطب ود البلاط السلطاني لتأمين سفنها ورعاياها.
كما حظي المغرب حينها باحترام كبير باعتباره الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا التي حافظت على استقلالها التام والكامل عن الخلافة العثمانية وعن الأطماع الأجنبية، وشكلت صورة السلطان بوصفه عاهلا حازما ومحاربا مهابا دافعا أساسيا جعل البلاط الفرنسي يخص سفيره ببروتوكول استقبال فخم جدا في باريس سُجل باعتباره أحد أبرز الأحداث التاريخية في تلك الحقبة.
التاريخ يكون بالوثيقة الدقيقة المحفوظة في المكتبات والأرشيفات العالمية .
ولا يكون بالكلام الملقى على عواهنه، وبالكذب والتزييف واختلاق القصص من الخيال، وإنشاء الصور، وفبركة الوقائع التي لم تقع قط.
وهذا ما كان.






