سياسة واقتصاد

هل تتجه النقابة الوطنية للتعليم العالي نحو التخلي عن دورها النضالي؟

عبد الحق غريب

بدون لف أو دوران... هذه قراءتي لمدى قدرة النقابة الوطنية للتعليم العالي على الحفاظ على استقلالية قرارها وممارسة دورها النضالي.


لا أستهدف أشخاصا أو أطرافا بعينها.. وإنما ينبع موقفي من الخوف مما قد يحمله المستقبل للجامعة العمومية، في ظل محاولات تفكيكها والإجهاز على ما تبقى من مقوماتها، وما يفرضه ذلك من ضرورة الحرص على استقلالية النقابة والحفاظ على دورها النضالي، بعيدا عن أي حسابات ضيقة.


وتأتي هذه القراءة في ظل ثلاثة عوامل أساسية:


أولها، التحاق كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية (الأغلبية بالأجهزة الوطنية للنقابة) بتشكيلة حكومة المنصوري، وما يطرحه ذلك من تساؤلات حول مدى قدرة النقابة على خوض معارك نضالية ضد حكومة يشارك فيها الحزبان سياسيا.


ثانيها، ظاهرة أخذت تتسع في الآونة الأخيرة بشكل لافت ومقلق، تتمثل في تعيين عدد من المسؤولين النقابيين، من كتاب عامين محليين وجهويين، وصولا إلى أعضاء في المكتب الوطني، في مناصب المسؤولية الإدارية داخل مؤسسات التعليم العالي.


ثالثها، تنامي مظاهر الصمت أو محدودية التفاعل لدى عدد من المكاتب المحلية والجهوية إزاء الاختلالات التي تعرفها المؤسسات الجامعية، سواء على مستوى التدبير الإداري والمالي أو ظروف الدخول الجامعي.


إن هذه العوامل تضع النقابة الوطنية للتعليم العالي أمام منعرج تاريخي حرج، وتطرح سؤالا مقلقا حول مستقبل استقلاليتها التنظيمية والسياسية ونجاعتها، في ظل ما قد تفرزه الحسابات الانتهازية من جهة، وضغوط الانضباط الحزبي والالتزامات الحكومية من جهة أخرى.


وتتمثل إحدى أخطر التداعيات المحتملة في إضعاف نجاعة الفعل النقابي، والدخول في حالة من "الجمود النضالي"، وربما شلل أدوات الدفاع عن الجامعة العمومية وحقوق الأساتذة الباحثين ومكتسباتهم.


لماذا هذه المخاوف؟


1- بخصوص الوجود الحكومي للحزبين وتأثيره المحتمل على القرار النقابي:


هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الموضوع.. لكن المجال لا يسمح بالحديث عن كل المعطيات والتفاصيل.


لذلك سأكتفي بالتوقف عند واقعة لها دلالتها، تتعلق بتراجع المكتب الوطني للنقابة عن قرارات اللجنة الإدارية بشأن الخطة النضالية (بيان 15 فبراير 2026)، التي تضمنت خوض إضرابات، ووقفات، وتجميد الهياكل، وتنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان.


فلأول مرة في تاريخ النقابة الوطنية للتعليم العالي، يتم التراجع عن قرارات صادرة عن اللجنة الإدارية بهذا الحجم، وهو ما أثار استغراب واستياء الأساتذة الباحثين، وفتح الباب أمام تأويلات وتساؤلات حول خلفيات هذا التراجع وتوقيته، خاصة أن هذا التراجع لم يكن مقرونا بأي مستجد إيجابي في الحوار مع الوزارة، أو بتحقيق أي مكاسب لفائدة الأساتذة الباحثين.


بل إن هذا التراجع يدفعنا لطرح السؤال التالي: إذا كانت النقابة الوطنية للتعليم العالي قد اتخذت هذا الموقف في مرحلة كان فيها الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ضمن المعارضة البرلمانية، فكيف سيكون موقفها اليوم، بعدما أصبح الحزبان جزءا من الأغلبية الحكومية؟


ويزداد هذا التساؤل إلحاحا في ظل تنامي مظاهر المهادنة، بل والمبالغة فيها، بين المكتب الوطني للنقابة ووزير التعليم العالي.


2- بخصوص انتقال مسؤولين نقابيين إلى مناصب المسؤولية الإدارية:


هذه الظاهرة لم تعد مجرد استثناءات محدودة، بل تحولت إلى واقع يتكرر ويتمدد في كل الجامعات، مع تنام لافت ومقلق خلال السنوات الأخيرة.


وتتجلى هذه الظاهرة في أشكال مختلفة، من خلال انتقال قياديين نقابيين إلى مناصب إدارية، سواء بتقديم استقالاتهم من المسؤوليات النقابية قبل التعيين أو بعده (عدد من الكتاب العامين المحليين أو الجهويين)، أو بالاستمرار في الجمع بين المسؤوليتين النقابية والإدارية حتى بعد التكليف بمهام إدارية (بعض أعضاء المكتب الوطني).


هذه الظاهرة تطرح أكثر من علامة استفهام، سواء تعلق الأمر بالجمع بين المسؤولية النقابية والمسؤولية الإدارية، وما قد يترتب عن ذلك من تضارب في الأدوار وتأثير على استقلالية القرار النقابي، أو بتقديم الاستقالة من المسؤوليات النقابية قبل او بعد التعيين في مناصب إدارية، وما يترتب عن ذلك من إضعاف للهياكل النقابية واستنزاف لطاقاتها التنظيمية.


كل هذا يفتح باب التساؤل حول مدى تحول المواقع النقابية إلى جسور للعبور نحو مناصب المسؤولية الإدارية.


إنني لا أطرح هذه الحالات من باب الاعتراض على حق أي أستاذ باحث في تولي مسؤولية إدارية، ولا من باب التشكيك في كفاءة الأشخاص المعنيين، وإنما من باب طرح أسئلة حول تداعيات هذا التداخل بين المسؤولية النقابية والمسؤولية الإدارية.


3- بخصوص صمت المكاتب المحلية والجهوية:


هذا موضوع ذو شجون... سأكتفي بالإشارة إلى أن النقابة الوطنية للتعليم العالي، منذ نشأتها وإلى حدود السنوات القليلة الماضية، دأبت على مواكبة الدخول الجامعي بعقد جموع عامة محلية وجهوية، وإصدار بيانات نقابية شديدة اللهجة، تضع الأصبع على الاختلالات والمشاكل التي تعرفها المؤسسات الجامعية، من اكتظاظ، ونقص في الموارد المالية والبشرية، وخصاص في البنية التحتية والتجهيزات، وغيرها من الاختلالات التي تعيق السير العادي للمؤسسات الجامعية.


أما اليوم، فقد أصبحنا أمام حالة من الجمود غير المفهوم، بل أشبه بسبات نقابي تعيشه عدة مكاتب محلية وجهوية، رغم كثرة المشاكل وتفاقمها وتعقدها، ورغم ما يفرضه ذلك من يقظة نقابية وتعبئة للأساتذة الباحثين.


ولعل ما تعرفه جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء والمحمدية من اختلالات ومشاكل، في مقابل صمت نقابي رهيب، يشكل خير دليل على هذا السبات الذي يطرح أكثر من علامة استفهام.


فهل يتعلق الأمر بمجرد عجز عن مواكبة الاختلالات، أم بتراجع في الإرادة النضالية لدى بعض الهياكل النقابية؟


ختاما.. إن تزامن التحولات السياسية والتعيينات الإدارية مع تراجع الدينامية النضالية للمكاتب المحلية والجهوية، لا يمكن أن يمر دون إثارة القلق بشأن مستقبل النقابة الوطنية للتعليم العالي، وما إذا كنا أمام بداية تحول في وظيفتها وأدوارها، من إطار مستقل للدفاع عن الجامعة العمومية وحقوق الأساتذة الباحثين ومكتسباتهم إلى إطار أكثر ميلا إلى المهادنة والتكيف مع موازين القوى السياسية والإدارية، وتحوله إلى قنطرة نحو المناصب الإدارية.