مجتمع وحوداث

آسفي تزف عريس التاريخ وفاء لعلمه و تواضعه

إدريس الأندلسي

الوفاء لروح حميد التريكي 

شهدت مدينة آسفي ندوة علمية حول أعمال و أبحاث الراحل الأستاذ حميد التريكي و ذلك يوم السبت 7 نونبر 2026. و قد ساهم في هذه الندوة ثلة من أساتذة التاريخ المشهود لهم بالكفاءة و بالحضور الوازن في مجال البحث العلمي و الذين ابوا إلا أن يلبوا دعوة جمعية ذاكرة آسفي للإدلاء بشهادة علمية في حق إنسان رافقهم ، و جايل بعضهم ، و اعترفوا له بالتميز الذي يرافق تواضع العارفين. و قد حضر هذه الندوة جمع من المسؤولين و من فعاليات النسيج الجمعوي المساهمة في تنظيم أنشطة لقاء الوفاء إلى جانب الندوة العلمية حول عطاء إبن آسفي الوفي لجدوره و امتداداتها .


 و قد أكد جميع المتدخلين على مساحات كبيرة في شخصية الراحل حميد التريكي. سكنته خفة الروح منذ أن خطا أولى خطواته سعيا إلى لقاء المعرفة في كافة منازلها. سكنته روح البحث عن المكان و الزمان و الحدث و الرواية و الحكي و المسكن و الساكن منذ أن أراد أن يعرف محيطه و تاريخه و تعبيراته الثقافية. و مرت السنوات و العقود بكثير من الرغبة في اكتساب وسائل مراكمة المناهج و تحويل الأبحاث إلى كتب و مشاريع، و من تم إلى تقاسمها في الثانويات و الجامعات . أصبح لحميد التريكي طلبة يحملون مشعل البحث التاريخي. و كم كان يحلم "بإرادة" صادقة أن يتوفق كل الباحثين، و أن يساهموا في اغناء المعرفة التاريخية. 

رحل الاستاذ الكبير، و الوفي لعلم التاريخ تاركا كثيراً من الحزن الجميل لدى كل من لا زالوا يقدرون قيمة العلم في زمن ذكاء اصطناعي لن يتمكن من مصارعة قدرات الباحثين في علم التاريخ. و لذلك قرر محبوه، و اغلبهم من الاوفياء لرسالة البحث العلمي، و عشاق المعرفة التي تبني الاوطان، أن يكتبوا له رسالة وفاء، و هو الذي أعطى للوفاء عدة تجليات من خلال رحلة شاقة بين الوثائق و الأماكن و الثقافات. كان حميد التريكي حاملا لأمل كبير يحفظ لآسفي حرمتها التاريخية عبر التنبيه إلى أثر هجوم الاسمنت على أراض تختزن كنوزا تاريخية تشير إليها وثائق تاريخية تعب من أجل كشف اسرارها. نقب بنفس علمي عن أسرار مراكش و اسوارها و رجالاتها، وعن وثائق و معالم كشفت وقائعا بمنهجية علمية و صعبة المنال . و ارتحل الربع إلى غرناطة في عصر وسيط لتفكيك الوثيقة و إعادة إنتاج الاجتهاد المتصل بآليات قراءة التاريخ الذي يربط الأندلس بالمغرب رغما عن اختاروا طمس معالمه. 

وقف جمع كبير من أصدقاءه من جمعية ذاكرة مدينة آسفي، و من ائتلاف جمعيات المدينة، و حج كثير من أساتذة التاريخ من جامعات مغربية و من أكاديمية المملكة المغربية و من خزانة الوثائق الملكية، و من جمعيات حماية ذاكرة المغرب من كثير من مدن بلادنا ذات التاريخ الذي يشهد عليه فكر متجدر و عمران يتحدى القرون. قدموا شهادات عن أعماله و عمق منهجه في البحث عن مكنونات علاقة الإنسان بجغرافية وجوده . و سجلت الجلسات العلمية ، طيلة يوم الوفاء، التي استحضرت ما راكم الراحل حميد التريكي من أعمال جعلته، حسب الأستاذة نفيسة الذهبي " مؤرخا من زمن الكبار". وبين المؤرخ و الكاتب البحاثة الاستاذ عبد الأحد السبتي، عضو أكاديمية المملكة، أهمية أبحاث الراحل التريكي في التفاعلات مع الكوارث الطبيعية. و شكلت تدخلات الأساتذة المتدخلين في هذا اللقاء اضاءات حول مساهمة حميد التريكي في الكتاب المدرسي ، و حول العبور من المعرفة العالمية إلى المعرفة المدرسية، و منها الى الأرشيف و منه إلى القسم المدرسي.

 و تطرق الجزء الثاني من الندوة العلمية إلى الكلام عن حميد التريكي المؤرخ و الأديب. وضمت شهادة إبن آسفي و الرئيس المنتدب لذاكرتها، الدبلوماسي المكي كوان جانب الوفاء الذي سكن صديقه التريكي خلال كل مراحل عمره. كان وفاؤه، حسب ما ورد في كلمته، قويا لآسفي التي ولد بها و تتلمذ على اساتذتها و علماءها ، و التي شكلت زوايا سكنت أعماق وجدانه . و ظل وفيا لمراكش التي احتضنته و احتضنها فكريا و عاطفيا بمحبة و تنقيب لا يلين عن اسرارها. و استمر وفاؤه للمكان و التاريخ من خلال عشق غرناطة التي رأى فيها امتدادا لذاكرة المغرب. و ارتقى الوفاء في عشق للعمل و لمنهج الكتابة في علم التاريخ. و توالت الشهادات و تدخلات أساتذة وباحثين يمثلون الجمعية المغربية للبحث التاريخي، و جامعة عبد المالك السعدي و جامعة القاضي عياض و جمعية منية مراكش . و أكدت مختلف الكلمات على شخصية الراحل التريكي " الإنسان و المؤرخ" ، و " الرجل الصالح" و " مسالك العارفين" و كرم الأخلاق " بالإضافة إلى أهمية " الذاكرة كحارسة للتاريخ في المدينة الحاضرة". و اعتبر بعض المشاركين في لقاء الوفاء أن الراحل التريكي سيظل" عراب الذاكرة و التراث. يظل الوفاء للراحل هو العمل على أن لا يتوقف البحث التاريخي لكي لا يسود نسيان الأحداث و الأماكن و يتم دفن المعالم عبر الترخيص لسلطة الاسمنت لدفن مكونات ماض بنى ودولة بمؤسساتها و ثقافتها التي تشكل تاريخها و منار حضورها إلى اليوم.