ان من المفارقات التي تستحق التأمل كثيرا أن المغرب وروسيا كانا، قبل أيام قليلة من التصويت في مجلس الأمن، يعملان على تعزيز علاقاتهما الثنائية، بينما كانت موسكو في نفس الوقت تستعد لاتخاذ موقف حاسم من مشروع القرار الأمريكي المتعلق بالصحراء المغربية.
ففي 23 أكتوبر 2026، أجرى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة اتصالاً هاتفياً بنظيره الروسي سيرغي لافروف، تناول العلاقات الثنائية والتنسيق في الأمم المتحدة والتحضير للقمة الروسية الإفريقية الثالثة. كما سبقت ذلك لقاءات بين الوزيرين في نيويورك في سبتمبر 2026.
ان هذه المفارقة تفرض طرح سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن لبلدين يتحدثان عن الشراكة الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي أن يجدا نفسيهما أمام اختلاف حاد في قضية تعتبرها المملكة من أولويات أمنها القومي ووحدتها الترابية؟ ان الجواب الدقيق يقتضي تجاوز القراءة العاطفية للعلاقات الدولية. فالدول لا تدير علاقاتها بمنطق الصداقة وحدها، وإنما وفق شبكة المصالح والتحالفات وموازين القوى.
ومن هنا، فإن الفيتو الروسي يجب أن لا يكون سبباً في إغلاق قنوات التواصل مع موسكو، كما يجب أن لا يؤدي استمرار الشراكة الاقتصادية إلى التقليل من خطورة الاختلاف السياسي حول الصحراء.
أولاً: الشراكة المغربية الروسية:
تاريخ من المصالح المتبادلة، ان العلاقات المغربية الروسية لا تنطلق من فراغ، بل انها تستند إلى تاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية. وقد عرفت هذه العلاقات تطوراً مهماً من خلال محطات أساسية:
فسنة 2002: إرساء الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
وسنة 2016: الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المعمقة خلال الزيارة الملكية إلى موسكو.
وسنة 2025: التأكيد مجدداً على توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني.
وسنة 2026: استمرار الاتصالات السياسية بين وزيري الخارجية، وإنشاء لجنة عمل بين وزارتي الخارجية للبلدين لتعزيز التنسيق والتعاون.
وتكشف المعطيات الرسمية المغربية أن المبادلات التجارية بين البلدين بلغت 630 مليون دولار سنة 2025، وأن المغرب يوجد ضمن الشركاء الاقتصاديين الثلاثة الأوائل لروسيا في إفريقيا. كما تتابع أعداد مهمة من الطلبة المغاربة دراستهم في الجامعات الروسية. [1]
ان هذه المؤشرات تؤكد أن العلاقة ليست ظرفية، وإنما تقوم على مصالح متعددة تتجاوز الخلافات السياسية الآنية. غير ان الشراكة الاستراتيجية لا تعني بالضرورة التطابق في المواقف من جميع القضايا الدولية.
ثانياً: الجزائر في الحسابات الروسية:
الحليف العسكري والمجال الاستراتيجي، تمثل الجزائر أحد أهم شركاء روسيا في شمال إفريقيا، خصوصاً في المجال العسكري.
وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن روسيا ظلت المورد الرئيسي للأسلحة إلى الجزائر خلال الفترة 2020–2024، رغم التراجع الكبير في حجم وارداتها من السلاح الروسي مقارنة بالفترة السابقة. كما تؤكد دراسات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن التنافس المغربي الجزائري أصبح يتداخل مع تنافس أوسع بين المنظومات العسكرية الغربية والروسية في شمال إفريقيا. [2]
من هنا يمكن فهم جانب من الحسابات الروسية. فموسكو لا تنظر إلى الجزائر باعتبارها دولة مجاورة للمغرب فقط، بل باعتبارها شريكاً استراتيجياً يمتلك موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في المتوسط والساحل وإفريقيا. لكن، هل يعني ذلك أن روسيا مستعدة للتضحية بعلاقاتها مع المغرب من أجل الجزائر؟
ان روسيا تدرك أن المغرب يمتلك موقعاً استراتيجياً مختلفاً، وأنه يشكل بوابة مهمة نحو المحيط الأطلسي وغرب إفريقيا، فضلاً عن علاقاته المتعددة مع أوروبا والولايات المتحدة والدول الإفريقية والعربية.
وعليه، فإن موسكو تجد نفسها أمام معادلة معقدة، فالامر يتطلب، المحافظة على الشراكة العسكرية والسياسية مع الجزائر، عدم خسارة العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع المغرب، الاحتفاظ بهامش المناورة في القضايا الإفريقية، عدم السماح للولايات المتحدة بالانفراد بتوجيه التوازنات داخل مجلس الأمن.
ومن هنا يصبح الفيتو الروسي مفهوماً باعتباره تقاطعاً بين المصالح الإقليمية والحسابات الدولية، وليس مجرد تعبير عن موقف قانوني مجرد.
ثالثاً: هل تستطيع موسكو استخدام قضية الصحراء ورقة تفاوض مع واشنطن؟
ان الفيتو الروسي جاء في سياق توتر دولي أوسع بين موسكو وواشنطن، حيث تتداخل ملفات أوكرانيا والأمن الأوروبي والشرق الأوسط وإفريقيا. ومن المحتمل أن تكون روسيا قد أرادت إرسال رسالة مفادها أن مجلس الأمن لا يمكن أن يتحول إلى أداة لتنفيذ التصورات الأمريكية دون توافق بين القوى الكبرى. غير انه لا تتوافر أدلة علنية كافية لإثبات أن موسكو استخدمت قضية الصحراء مقابل تنازلات أمريكية في ملفات أخرى. لذلك ينبغي التمييز بين أمرين:
الأول: التوظيف الجيوسياسي للملف، وهو أمر يمكن استنتاجه من سياق المنافسة بين القوتين.
الثاني: وجود صفقة أو مقايضة دبلوماسية، وهذا يحتاج إلى أدلة مباشرة، ولا يجوز افتراضه لمجرد تزامن المواقف. ومع ذلك، فإن الدرس الذي ينبغي أن تستخلصه الدبلوماسية المغربية هو أن قضية الصحراء لم تعد محصورة في بعدها الإقليمي، بل أصبحت تتأثر بشكل متزايد بالتنافس على النفوذ الدولي.
رابعاً: كيف ينبغي للمغرب أن يتعامل مع موسكو؟
ان على المغرب ان يعتمد على سياسة تقوم على أربعة مبادئ:
1. الاختلاف دون القطيعة، حيث ينبغي للمغرب أن يعبر بوضوح عن عدم رضاه عن الموقف الروسي، وأن يوضح لموسكو أن الفيتو يمس قضية ذات أولوية استراتيجية بالنسبة إليه. لكن ذلك لا يستدعي قطع العلاقات أو تجميد التعاون الاقتصادي. فالدبلوماسية الناجحة هي التي تستطيع إدارة الخلاف دون تدمير المصالح المشتركة.
2. إعادة التفاوض على مفهوم الشراكة الاستراتيجية،
حيث من الضروري أن تنتقل العلاقات المغربية الروسية من مستوى التصريحات العامة حول الصداقة التاريخية إلى مستوى أكثر وضوحاً بشأن المصالح المتبادلة. ويمكن أن يشمل ذلك: التعاون في مجال الطاقة، الاستثمار في الموانئ واللوجستيك، الأمن الغذائي والأسمدة، البحث العلمي والتكنولوجيا، التبادل الجامعي والثقافي، التعاون الاقتصادي مع إفريقيا.
وفي هذا الصدد ينبغي أن يكون هناك حوار سياسي صريح بشأن احترام المصالح الاستراتيجية لكل بلد.
3. عدم رهن السياسة الخارجية بمحور دولي واحد،
حيث ان المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين موسكو وواشنطن. فالمصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، مع إعطاء الأولوية للشراكات التي تخدم أمنه ووحدته الترابية وتنميته الاقتصادية. وهذا ينسجم مع تعدد الشركاء الدوليين للمغرب، من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والدول الإفريقية والخليجية.
4. تحويل الحوار مع روسيا إلى دبلوماسية استباقية،
اذ ينبغي ألا يقتصر التواصل المغربي الروسي على معالجة نتائج التصويت داخل مجلس الأمن. بل المطلوب بناء حوار دائم بشأن مستقبل شمال إفريقيا والساحل والأمن الأطلسي، بما يسمح بتقليص مساحة سوء الفهم وتعارض المصالح.
خامساً: خمسة سيناريوهات لمستقبل العلاقات المغربية الروسية،
الأول: استمرار الشراكة مع بقاء الخلاف، وهو مسار يقوم على فصل العلاقات الاقتصادية والتجارية عن الخلاف السياسي حول الصحراء. وفي هذا السيناريو تستمر المبادلات التجارية والاتصالات الدبلوماسية، مع احتفاظ المغرب بموقفه واحتفاظ روسيا بتحفظاتها.
الثاني: مراجعة مغربية للمقاربة تجاه موسكو، فقد يدفع الفيتو الروسي المغرب إلى إعادة تقييم أولويات تعاونه السياسي والاقتصادي مع روسيا، دون الوصول إلى القطيعة. وهنا تصبح الشراكة أكثر ارتباطاً بمبدأ المعاملة المتبادلة واحترام المصالح الاستراتيجية.
الثالث: تقارب روسي مغربي تدريجي، حيث يمكن أن تفتح المصالح الاقتصادية والإفريقية والأطلسية مجالاً لتقارب جديد، خصوصاً إذا أدركت موسكو أن استمرار علاقاتها مع الجزائر لا يتعارض بالضرورة مع تطوير علاقاتها مع الرباط.
الرابع: استمرار التنافس الأمريكي الروسي داخل مجلس الأمن، فقد يستمر الاختلاف حول طبيعة التسوية، ومهمة المينورسو، ومرجعية تقرير المصير. وفي هذه الحالة سيظل المغرب مطالباً بتوسيع دائرة الدعم الدولي وتجنب الارتهان لمواقف قوة واحدة.
الخامس: بروز تفاهم دولي جديد
فقد تفرض التطورات السياسية والأمنية صيغة جديدة تجمع بين دعم المفاوضات على أساس الحكم الذاتي والحفاظ على الضمانات الأممية المتعلقة بالاستقرار ووقف إطلاق النار.
وهذا السيناريو يتطلب تنازلات متبادلة، وحواراً دولياً وإقليمياً، ولا يمكن افتراض تحققه بصورة تلقائية.
وفي الخلاصة الاستراتيجية، فإن الفيتو الروسي يطرح على المغرب سؤالاً يتجاوز التصويت داخل مجلس الأمن: كيف يمكن بناء سياسة خارجية متعددة الشركاء، تحافظ على الاستقلال الاستراتيجي، وتمنع في نفس الوقت تحول القضية الوطنية إلى رهينة للتنافس بين القوى الكبرى؟
فلقد أظهرت الأحداث أن الدعم الأمريكي للمغرب، مهما بلغت أهميته، لا يلغي وجود قوى دولية أخرى تمتلك أدوات التأثير داخل مجلس الأمن. كما أظهرت أن العلاقات المغربية الروسية، رغم تاريخها الإيجابي، ليست بمنأى عن الاختلافات المرتبطة بالمصالح الجيوسياسية. ومن ثم، فإن المطلوب ليس استبدال محور دولي بآخر، وإنما بناء شبكة علاقات متوازنة، تقوم على وضوح المصالح واحترام الأولويات الوطنية.
إن قوة الدبلوماسية المغربية لا ينبغي أن تقاس بعدد الدول المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي فقط، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف مع الدول الكبرى، وتحويل الدعم السياسي إلى نتائج قانونية ودبلوماسية وتنموية قابلة للاستمرار. ومن هنا، أهمية الدبلوماسية الملكية، التي جعلت قضية الصحراء محوراً مركزياً في العلاقات الخارجية للمغرب، مع توسيع الشراكات الاقتصادية والسياسية والأمنية على المستويين الإقليمي والدولي.
في الختام، الصحراء المغربية:
من تنازع المرجعيات إلى إعادة تشكيل التوازنات الدولية، إن التطورات التي شهدها مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026، لا يمكن اختزالها في استعمال روسيا حق النقض ضد مشروع أمريكي، أو في فشل المشروع الروسي البديل.
فما جرى يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الدولي، وحدود التوافق بين القوى الكبرى، وقدرة المؤسسات الأممية على إنتاج تسويات سياسية في النزاعات الإقليمية المعقدة.
لقد حاولت الولايات المتحدة الدفع نحو إعادة صياغة الإطار الأممي لقضية الصحراء، مستندة إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما تمسكت روسيا باستمرار المينورسو ورفضت ما اعتبرته استباقاً لنتائج المفاوضات.
أما المغرب، فقد اختار قراءة عدم تجديد ولاية البعثة باعتباره فرصة للانتقال إلى مرحلة جديدة، وفق ما عبّر عنه البلاغ الملكي.
لكن هذه المرحلة تطرح تحديات لا تقل أهمية عن المكاسب الدبلوماسية المتحققة. فالمغرب مطالب بتطوير مبادرة الحكم الذاتي، وتعزيز المشاركة السياسية للسكان، وتوسيع التنمية في الأقاليم الجنوبية، والحفاظ على الاستقرار الأمني، وتدبير علاقاته مع القوى الكبرى بقدر كبير من التوازن والواقعية. كما أن المجتمع الدولي مطالب بإيجاد صيغة تضمن استمرار التهدئة وعدم خلق فراغ أمني أو مؤسساتي نتيجة غياب آليات المراقبة الأممية.
وفي المحصلة، فإن قضية الصحراء أصبحت مرآة لتحولات أوسع في العلاقات الدولية، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والروسية والأوروبية والإفريقية، وتتشابك الاعتبارات القانونية مع الحسابات الاستراتيجية.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي للمغرب في المرحلة المقبلة ليس فقط إنهاء مرحلة المينورسو، وإنما بناء شروط تسوية سياسية مستدامة، تجعل من الاستقرار والتنمية والمشاركة والشرعية الدولية عناصر متكاملة في مستقبل الأقاليم الجنوبية.






