تحليل

الصَّحراءُ المغْرِبِيّةُ وتَحدِّي تَجَاوز الجُمُود الأُمَمِي

يوسف اغويركات

كنتُ قد اعتبرتُ، في مقالتي "الصحراء في أكتوبر واختبار التفاوض على الحكم الذاتي"، أن الرهان هو ترجمة الدعم للمبادرة المغربية إلى تفاوض جدي على مضمون التسوية. وبعد تعذّر تجديد ولاية المينورسو في جلسة مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026، يعود السؤال بإلحاح أكبر: من يتحمل مسؤولية استمرار الجمود، وكيف يحوّل المغرب ما راكمه من دعم إلى تقدم فعلي نحو الحل؟

جاء بلاغ الديوان الملكي عقب الجلسة ليحدد الموقف المغربي من المرحلة الجديدة، بالمطالبة بإنهاء وجود المينورسو وسحب القضية من جدول أعمال مجلس الأمن، وإعلان توقف المسار السياسي الأممي. كما نص على اتخاذ خطوات مماثلة داخل هيئات أممية أخرى، مع مواصلة التحرك الثنائي والإقليمي. وقد أوضح وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، في لقائه على قناة 2M، أن الفيتو الروسي لم يكن مفاجئا للرباط، وأنه أتاح فرصة لإعادة النظر في قواعد تدبير الملف. ويعزز هذا التوضيح قراءة التحرك المغربي باعتباره سعيا مدروسا إلى تجاوز منطق التجديد السنوي للبعثة، وتحويل الانسداد إلى فرصة للتقدم نحو التسوية. ويتطلب إنجاح هذا التوجه وضوحا في الأهداف، وقدرة على تأمين المساندة لها، مع التمسك بوقف إطلاق النار وصون أمن المملكة ووحدة أراضيها.

ما تكشفه الأصوات

حصل المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتا مؤيدا، مقابل صوت روسي معارض وثلاثة امتناعات. أما المشروع الروسي، فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل تصويت أمريكي معارض وأحد عشر امتناعا. وقد منع الفيتو الروسي اعتماد المشروع الأمريكي رغم تجاوزه عتبة الأصوات التسعة المطلوبة، بينما لم يكن المشروع الروسي سيُعتمد حتى لو امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.

ويحجب وصف الجلسة بأنها شهدت "فيتوين متبادلين" هذا التفاوت. فقد استطاعت روسيا منع اعتماد المشروع الأمريكي، لكنها لم تحشد أغلبية لمشروعها البديل. ومن حق الترافع المغربي إبراز هذا الإخفاق في مواجهة تقديم الفيتو بوصفه دليلا على رجحان الأطروحة المقابلة، مع العمل على توسيع المساندة لمقاربته ولأهداف المرحلة التالية.

ويقتضي فهم هذا الرصيد الانتباه إلى مضمون النص الذي حاز تلك الأصوات. فالمشروع الأمريكي كان يُمدّد ولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2027، ويعيد تسميتها "بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية" (MINUSO)، بحذف الإشارة إلى الاستفتاء. كما كان يعتمد مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا وحيدا لمواصلة المناقشات، ويطلب مقترحات من الأمين العام بشأن بنية البعثة وأفرادها ومواردها.

يمثل تأييد هذا التوجه فرصة سياسية للمغرب. لكن تأييد بعثة أممية معدّلة لا يعني بالضرورة تأييد إنهاء حضورها، كما أن الامتناع عن المشروع الروسي لا يساوي تأييد خروجها أو الاعتراض على استمرارها. ويحدد هذا التمييز المهمة الدبلوماسية الإضافية: تأمين مساندة صريحة لمطلب الانسحاب ولمستقبل التعامل مع الملف داخل المؤسسات الأممية، دون افتراض تطابق مواقف الدول من كل هذه المسائل.

ويحتج المعترضون بأن جعل الحكم الذاتي أساسا وحيدا للتفاوض يحسم مسألة السيادة قبل التسوية، وبأن حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة يمسّ حق تقرير المصير، فيما يظل الإقليم مدرجا أمميا ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. غير أن القرار 2797 نفسه جمع بين اعتماد المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات والتمسك بتقرير المصير وبحل نهائي مقبول من الأطراف. ومن داخل هذه المرجعية، يستطيع المغرب الدفاع عن الحكم الذاتي تحت سيادته بوصفه صيغة تجمع بين الوحدة الترابية والتعبير الحر عن إرادة السكان ومشاركتهم الفعلية في تدبير شؤونهم. فتغيير اسم البعثة لا يحسم الوضع القانوني للإقليم بذاته، وتبقى المسألة الجوهرية هي مضمون التسوية وضماناتها وكيفية إقرارها. وهنا تبرز مسؤولية المعترضين عن مناقشة هذه الضمانات وتقديم مقترحات قابلة للتفاوض.

مسؤولية الانخراط وشروط التسوية

ويتجه السؤال إلى البوليساريو أيضا: ما البديل العملي الذي تقدمه، وكيف يضمن حقوق السكان ومشاركتهم واستقرار المنطقة؟ وإذا كانت لها اعتراضات على توزيع الاختصاصات أو الضمانات أو تدبير الموارد، فإن مناقشتها تتيح اختبار إمكان معالجتها. وتُقاس جدية الاعتراض بما يقدمه من أجوبة ومقترحات، وبقدرته على فتح أفق للتسوية، لا بمجرد إعادة إعلان الرفض.

يبرز بيان الخارجية الجزائرية الصادر في 31 أكتوبر مفارقة في الحصيلة السياسية؛ فقد رفضت الجزائر المشروع الأمريكي وتحركت لدى أعضاء مجلس الأمن قبل التصويت، ثم أعربت عن أسفها لعدم تجديد ولاية المينورسو. وهكذا، فإن منع اعتماد نص تعارضه لم يضمن استمرار البعثة التي تتمسك بها، بعدما لم ينل المشروع الروسي البديل سوى ثلاثة أصوات مؤيدة. وهذا الانخراط الدبلوماسي المباشر يبرّر مساءلتها عن إسهامها في تجاوز الجمود، أيا كان توصيفها لصفة مشاركتها في المسار. ومن حق المغرب أن يسألها: كيف تستخدم تأثيرها لتشجيع البوليساريو على الانخراط الجدي في التفاوض على مضمون التسوية وضماناتها، وما الإسهام المباشر الذي تقدّمه لتيسير الحل؟

ويمتد التوجه المغربي إلى هيئات أممية أخرى؛ فقد أعلن بلاغ الديوان الملكي اتخاذ خطوات مماثلة داخلها، وأوضح ناصر بوريطة أن المرحلة المقبلة تشمل سحب ملف الصحراء من اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة. وبذلك، يتسع الهدف المغربي ليشمل إعادة النظر في الإطار المؤسساتي لمعالجة القضية، إلى جانب إنهاء وجود المينورسو.

ويتيح غياب حق النقض داخل اللجنة الرابعة والجمعية العامة للمغرب توظيف رصيده من التأييد الدولي؛ فإذا تُرجمت المساندة للحكم الذاتي إلى الأغلبية المطلوبة لسحب الملف، أمكن اعتماد هذا التوجه وفق الإجراءات الأممية، دون أن تملك دولة واحدة سلطة تعطيله بالفيتو. ويقتضي ذلك ترافعا سياسيا وقانونيا داخل الجمعية العامة وأجهزتها، يواكب التحرك الثنائي والإقليمي، إذ يظل إنهاء مهمة البعثة مختلفا عن إنهاء تناول الملف داخل الهيئات الأممية.

وسواء اتجهت التطورات إلى انسحاب البعثة أو إلى طرح تمديد مؤقت أو ترتيب أممي معدّل، ينبغي أن يدافع المغرب عن شروط تخدم التقدم نحو الحل وتمنع العودة إلى تجديد روتيني بلا أفق سياسي. وفي حال الشروع في الانسحاب، تصبح إدارة الانتقال جزءا من حماية المكتسبات ومن إقناع الشركاء بقدرة المغرب على صون الاستقرار.

ويعزز التمسك المغربي المعلن بوقف إطلاق النار هذا الترافع. فصون أمن المملكة وطمأنينة السكان يتطلب يقظة ميدانية وقنوات اتصال تمنع سوء التقدير والتصعيد. ويقتضي أي انسحاب تنسيقا يؤمّن أفراد البعثة ومعداتها، مع الاستعداد لفقدان بعض وظائف الرصد والاتصال التي كانت تؤديها. ويخدم وضوح هذه الترتيبات الثقة في قدرة المغرب على تدبير المرحلة.

وتزداد قوة الحجة المغربية حين تقترن التنمية بتعزيز الحقوق والمشاركة في الأقاليم الجنوبية. ففعالية سبل الانتصاف وتوسيع المشاركة في تدبير الشؤون المحلية تمنح مشروع الحكم الذاتي مضمونا يلمسه السكان ويمكن عرضه على الشركاء. وتمتد هذه المقاربة إلى حقوق سكان مخيمات تندوف؛ فقد كان المشروع الأمريكي يطلب أيضا من المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين استكمال تسجيل اللاجئين في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي ومعايير المفوضية ومن دون تدخل. ورغم عدم اعتماد المشروع، يظل التسجيل مطلبا عمليا يستطيع المغرب مواصلة الترافع بشأنه، لما يتصل به من حماية اللاجئين وتحديد احتياجاتهم وتيسير بحث الحلول الدائمة. ويكتمل هذا المطلب بضمان إمكان اطلاعهم على المقترحات والتعبير بحرية عن تطلعاتهم.

وفي تقديري، فإن المرحلة تستدعي مخاطبة الدول بحسب مواقفها الفعلية، ومواصلة الحوار مع الممتنعين والمعارضين، إلى جانب التنسيق مع الحلفاء. والمطلوب أن يترجم الشركاء تأييدهم للحكم الذاتي إلى مواقف واضحة من مسار التسوية ومن الترتيبات الأممية التي تخدمه، وأن يقترن تقييم المقترح المغربي بمساءلة الآخرين عن مضمون ما يعرضونه بديلا وعن شروط انخراطهم في الحل.

وتُقاس قوة هذا الترافع بقدرته على توسيع المساندة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وعلى جعل المواقف المعلنة التزامات يمكن اختبارها. وما يحتاجه الملف اليوم هو تقدم نحو تسوية دائمة تصون الوحدة الترابية، وتضمن المشاركة والحقوق، وتحمل كل معني مسؤولية ما يقدمه للحل وما يضيفه إلى أسباب التعطيل.