سياسة واقتصاد

ماذا بقي للبوليساريو؟

ابراهيم بوليد (إعلامي)

أنا لم أكن أتوقع أن تنتهي الحكاية بهذه السرعة.


كنا في الإذاعة، نتابع التصويت في مجلس الأمن دقيقة بدقيقة. روسيا تستعمل الفيتو. أمريكا ترد بالفيتو. ثم صمت. صمت طويل. وبعدها بلاغ الديوان الملكي.


في تلك اللحظة فهمت أننا أمام نهاية مرحلة. ليست نهاية خبر، بل نهاية 35 سنة من الانتظار.


البوليساريو، لنكن واضحين، كانت تعيش على ثلاثة أشياء فقط: بعثة اسمها المينورسو، وملف في نيويورك، ووعد بالاستفتاء. ثلاثة أشياء سقطت كلها في ليلة واحدة.


الآن، ماذا بقي لها؟


سأقولها كما هي، بلا لغة خشبية: لم يبق لها شيء تقريبا، إلا أن تصرخ.


سياسيا، فقدت المسرح. كانت تقول للعالم: نحن دولة، ونحن طرف. اليوم، العالم يقول لها: الحل هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. نقطة، انتهى. لم تعد طرفا، أصبحت مشكلة. أصبحت هي من يرفض الحل الذي قبله الجميع.


دبلوماسيا، الوضع أسوأ. من بقي معها؟ الجزائر وحدها تقريبا، وبعض الأصوات البعيدة في موسكو وبريتوريا. أما إفريقيا، أوروبا، أمريكا، الدول العربية، كلهم ذهبوا في اتجاه المغرب. ليس حبا في المغرب فقط، بل لأنهم تعبوا من ملف لا ينتهي.


لكن الصورة الحقيقية ليست في نيويورك. الصورة الحقيقية في الأرض.


في العيون والداخلة والسمارة، هناك بشر يعيشون. هناك مدارس، ومستشفيات، ومشاريع، وعائلات تفكر في مستقبل أبنائها، لا في قرارات مجلس الأمن.


الناس في العيون لا يعيشون في ملف، يعيشون في مدينة.


البوليساريو تتحدث عن ملف، والمغرب يبني مدينة. وهذا هو الفرق كله.


أما في تندوف، فهناك جيل كامل ولد في المخيمات، وكبر في المخيمات، وسيموت في المخيمات إذا بقي الوضع هكذا. شباب لا يعرفون الصحراء إلا من الصور. شباب يهربون في قوارب الموت إلى إسبانيا، أو يتسللون إلى المغرب. هل سأل أحد قيادة البوليساريو: ماذا قدمتم لهؤلاء الناس خلال 50 سنة؟


لهذا أقول إن البوليساريو اليوم أمام ثلاثة أبواب، ولا رابع لها.


الباب الأول: أن تحاول إشعال الحرب. صاروخ هنا، استفزاز هناك. لكن هذا انتحار. المغرب ليس مغرب التسعينات. وأي مغامرة من هذا النوع ستكون هي النهاية الفعلية للجبهة.


الباب الثاني: أن تقبل بالواقع، وتجلس للتفاوض على الحكم الذاتي، وتتحول إلى حزب سياسي داخل الصحراء المغربية. هذا هو الحل العقلاني. لكن هل تجرؤ القيادة على ذلك؟ هي تعرف أن قبول الحكم الذاتي يعني نهايتها هي، كقيادة. لذلك ستقاومه حتى آخر لحظة.


الباب الثالث، وهو الأخطر: أن تنهار من الداخل. أن ينفجر الغضب في المخيمات في وجه من باع الوهم لنصف قرن.


أنا شخصيا، أظن أن البوليساريو ستحاول في البداية التصعيد الكلامي والعسكري المحدود، لكي تقول: ما زلنا هنا. ثم ستجد نفسها وحيدة، وستبدأ في التفكك ببطء.


المغرب قالها في البلاغ: باب السلام مفتوح، ونحن متشبثون بوقف إطلاق النار. لكن زمن الابتزاز انتهى.


وهذه المرة، انتهى فعلا.