رأي

المصطفى سكم: الانحناءة الظليلة

تحت مطر خريفي في حديقة ريفرسايد، كنت أتأمل الأشجار وهي تبدل ألوانها كما تبدل الذاكرة أقنعتها ، أصفر يوشك أن ينسى خضرته، وأحمر يتوهج كجرح رومانسي قديم. وبين لمعان الأوراق المبللة، تراءى لي قبر بعيد وسموه " رقما هلاليا" عند ضفة أخرى من الجغرافيا لا من الروح.

 

فوق القبر بدا الصليب مائلا قليلا، كأن الزمن أرخى عليه رأسه المتعب. غير أنني، كلما أطلت النظر، خيل إلي أن الرقم المنقوش على الشاهد بهمس له:

 

"لا تنشغل بانحنائك المزعوم؛ فالفجر لا يقاس باستقامة الظلال، بل بقدرة النور على العودة."

 

ارتجف الصليب تحت المطر، أو هكذا بدا لي على الأقل.

 

ثم أضاف الهلال في سره الحجري:

 

"ومهما طال ليل الشمال، فإن شمس الجنوب تعرف طريقها. لا تستأذن الأفق كي تشرق، ولا تسأل المنتظرين إن كانوا ما زالوا يذكرون دفأها."

 

عندئذ كانت الأشجار تواصل تغيير ألوانها بصمت، بينما ظل ذلك الحوار الخافت بين الهلال والصليب يضيء مشهدي أكثر من أي شمس غائبة؛ كأن بعض الأنوار لا تأتي من السماء، بل من يقينها العميق بأنها آتية.

غادرت الحديقة، وفكري يردد: ما أكثر الانحناءات التي توهم بها الظلال؛ تختفي حين يتذكر الفجر طريقه.