رأي

حنان فطراس: ترامب وبوتين وشي… من يقرأ تحولات العالم؟

لم يعد العالم يتحرك وفق القواعد التي اعتدناها. فموازين القوى تتغير، والتحالفات يعاد اختبارها، والمصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية أصبحت أدوات في صراع مفتوح على النفوذ والأسواق والممرات الاستراتيجية. وبين ترامب وبوتين وشي جين بينغ، لا يتعلق الأمر بمجرد تنافس بين قادة، بل بإعادة تشكيل نظام دولي قد يفرض قواعد جديدة على دول كثيرة، حتى تلك التي لا تشارك في صنع القرارات الكبرى.


في هذا السياق، يكتسي موقع المغرب أهمية استراتيجية واضحة. فهو يرتبط بشراكات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويوسّع انفتاحه على الصين، ويحافظ على علاقات محسوبة مع روسيا، إلى جانب حضوره الإفريقي وعلاقاته الخليجية. وقد أتاح هذا التعدد للمغرب هامشاً للمناورة وتدبير علاقاته الخارجية بعيداً عن الارتهان الكامل لمحور واحد.


لكن العالم يتجه تدريجياً من منطق التحالفات إلى منطق صفقات الكبار، حيث تُعاد صياغة المصالح ومناطق النفوذ وفق حسابات القوة والتفاوض. وفي مثل هذه المرحلة، لا تكفي المحافظة على علاقات جيدة مع الجميع، بل يصبح التحدي الحقيقي هو امتلاك القدرة على حماية المصالح الوطنية حين تتعارض حسابات الشركاء.


المغرب مهمٌّ لهذه القوى، لكن أهمية المغرب لديها لا تعني بالضرورة أن مصالحه ستكون أولوية في صفقاتها.


واشنطن لها حساباتها الأمنية والأطلسية والإفريقية، وبكين تراهن على الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وأوروبا تحكمها مصالح تجارية وطاقية وملفات الهجرة، بينما تسعى موسكو إلى توسيع حضورها في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وإذا أعادت هذه القوى ترتيب تفاهماتها، فقد يجد المغرب نفسه أمام معادلات جديدة لم يشارك في صياغة شروطها، لكنه سيكون مطالباً بالتعامل مع نتائجها.


وهنا يكمن الخطر: أن يتحول الموقع الاستراتيجي للمغرب من مصدر قوة إلى مجرد ورقة في حسابات الآخرين. فتعدد الشركاء لا يضمن تلقائياً استقلال القرار، والموقع الجغرافي وحده لا يصنع القوة. وحدها القدرة على التفاوض، واقتصاد منتج، وصناعة تنافسية، ومؤسسات تستبق التحولات، كفيلة بتحويل الموقع الاستراتيجي إلى مكاسب فعلية. كما أن الاتفاقيات لا تُقاس بعددها ولا بالصور التي ترافق توقيعها، بل بما تحققه من نقل للتكنولوجيا، وجذب للاستثمار المنتج، وخلق لفرص الشغل، وتقوية للقدرات الوطنية.


ومن هنا، يصبح الحديث عن كفاءة الحكومة جزءاً من النقاش حول مستقبل المغرب. فالمرحلة تحتاج إلى وزراء يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على التحليل والتفاوض، وإلى فريق حكومي منسجم يستطيع ربط القرارات الداخلية بالتحولات الخارجية واستشراف المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.


فهل تتوفر الحكومة على الكفاءات القادرة على تدبير هذه المرحلة، أم أن حجم التحولات الدولية يتجاوز قدرات بعض من أُسندت إليهم مسؤولية مواجهتها؟


لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، ولا باختزال الكفاءة في الشهادات أو المسارات الأكاديمية وحدها؛ فالمعيار هو القدرة الفعلية على التدبير، وجودة القرار، والنزاهة، والنتائج المحققة. لكن من حق الرأي العام أن يتساءل عن معايير اختيار الوزراء، وعن مدى التناسب بين حجم المسؤوليات المسندة إليهم وما تتطلبه من خبرة وكفاءة.


كما أن الشبهات والاتهامات المرتبطة بتدبير الشأن العام، متى كانت قائمة وموثقة، لا ينبغي أن تُهمَل أو تُستغل سياسياً، بل يجب أن تخضع للتحقق عبر المؤسسات المختصة، مع احترام قرينة البراءة. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالتجاهل، وإنما بوضوح المساءلة وجدية التعامل مع الاختلالات المثبتة.


ولا يمكن أن تنجح الاختيارات الاستراتيجية من دون تنسيق فعلي بين القطاعات الحكومية، وتتبع لتنفيذ المشاريع، وتقييم لنتائج الاتفاقيات. ففي عالم تتنافس فيه الدول على الذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية والموانئ وسلاسل الإمداد، لا يكفي الإعلان عن المشاريع؛ المطلوب هو تحويلها إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ومكاسب ملموسة للمواطنين.


أما إذا تقدمت الحسابات الحزبية والدفاع عن الحصيلة على متطلبات الكفاءة والاستباق، فإن المغرب قد يفوّت فرصاً استراتيجية في لحظة دولية لا تنتظر المترددين.


فهل نملك نخبة قادرة على قراءة ما يُطبخ في موازين القوى واستباق ما قد تفرضه صفقات الكبار، أم نكتفي بالاحتفاء بموقع المغرب الاستراتيجي، بينما يظل تحويل هذا الموقع إلى قوة فعلية رهيناً بقرارات الآخرين؟


ففي زمن صفقات الكبار، لا تُحمى مصالح الدول بالشعارات ولا بالاحتفاء بالموقع الاستراتيجي، بل بحكومة تمتلك الكفاءة والجرأة السياسية والقدرة على التفاوض من موقع قوة. أما حين تتقدم الحسابات الحزبية على المصلحة الوطنية، وتُقاس الحصيلة بما يُعلَن لا بما يتحقق، فإن المغرب يخاطر بتضييع فرص لا ينتظر التاريخ أحداً لاستعادتها.


فهل تدرك الحكومة حجم اللحظة الدولية، أم أن المغرب يملك موقعاً استراتيجياً أكبر من قدرة بعض مسؤوليه على استثماره؟