رأي

عبد الكبير المامون: أنا ومرض تشمع الكبد… معاناة وألم مستمران إلى اليوم

الحلقة الأولى: حين تحوّل الألم إلى رحلة طويلة مع المرض


في إحدى ليالي شهر رمضان من سنة 2024، شعرت بألم شديد في البطن، ألم حرمني من النوم طوال الليل. ومع حلول الصباح، أرسلت ابني إلى طبيب صديق توجد عيادته بالمنصورية، ليخبره بما أعانيه. وبعد أن استمع إلى تفاصيل حالتي، وصف لي بعض الأدوية، غير أن الألم لم يتراجع، بل ازداد حدة رغم اقتناء الدواء وتناوله.


أمام استمرار الألم، قررت البحث عبر الإنترنت عن طبيب مختص في أمراض الجهاز الهضمي، فقادني البحث إلى الدكتورة لبنى الوافي، التي حصلت من كاتبة عيادتها على موعد للفحص والاستشارة.


كان ذلك أول لقاء بيني وبين الدكتورة، وهو اللقاء الذي تحوّل مع مرور الوقت إلى علاقة أخوية وعائلية، بعدما أصبحت تشرف على علاجي وتتابع حالتي الصحية، بل وتحرص على الاطمئنان عليّ في البيت، رغم كثرة مواعيدها المهنية وانشغالاتها اليومية.


وخلال هذه الرحلة، اكتشفت في الدكتورة لبنى الوافي الطبيبة الإنسانة، التي لمست فيها أن صحة المريض وراحته تحتلان مكانة أساسية في تعاملها معه، إلى جانب ما أبدته من نبل وتفانٍ في أداء رسالتها الطبية، بما يجسد المعنى الإنساني لقسم أبقراط.


«ربي معك»… كلمات سبقت الخبر الصادم


أتذكر جيداً تلك اللحظة التي اطلعت فيها الدكتورة لبنى الوافي، الاختصاصية في أمراض الجهاز الهضمي والكبد، على نتائج تحاليلي الطبية. نظرت إلى النتائج، ثم قالت لي: «ربي معك»، قبل أن تشرح لي أن تجمع السوائل في بطني يرتبط باضطراب وظائف الكبد وعدم قدرته على أداء أدواره الطبيعية في الجسم.


وأضافت أنه يتعين علينا، وبشكل استعجالي، إجراء مجموعة من الفحوصات بالأشعة والتحاليل المخبرية لتحديد الأسباب الكامنة وراء هذه الحالة.


وبعد إجراء الفحوصات المطلوبة، عدت إلى العيادة برفقة زوجتي، دون أن أتصور أنني سأسمع خبراً سيغيّر حياتي إلى الأبد.


عندما اطلعت الدكتورة على نتائج التحاليل، بدا التأثر واضحاً على وجهها، وخيّم الصمت على مكتبها للحظات. وبعد برهة، صارحتني بحقيقة وضعي الصحي قائلة:


«لا يمكنني إخفاء الأمر عنك، أنت مصاب بفيروس التهاب الكبد من النوع C، وقد أدى ذلك إلى تشمع الكبد».


كان وقع الخبر قاسياً عليّ وعلى زوجتي. فقد اكتشفت أنني أحمل هذا الفيروس منذ أكثر من عشرين سنة، وفق ما أُبلغت به خلال متابعتي الطبية، دون أن أشعر بأعراض واضحة تكشف عن وجوده، ودون أن يتم اكتشافه في التحاليل التي كنت أجريها بين الحين والآخر.


أما كيفية انتقال العدوى إليّ، فلم أكن أعرفها على وجه اليقين، وإن كان انتقال الفيروس عبر الدم من الطرق المعروفة لانتشاره.


شرحت لي الدكتورة طبيعة المرض ومضاعفاته، وأهمية التعامل معه بجدية، موضحة أن تشمع الكبد المتقدم قد يجعل زراعة الكبد خياراً علاجياً لدى بعض المرضى، بحسب تطور الحالة والتقييم الطبي. كما أكدت ضرورة العمل على علاج الفيروس، والسيطرة على تجمع السوائل في البطن، والحد من المضاعفات، مع الالتزام بحمية غذائية مناسبة والمراقبة الطبية المنتظمة وإجراء الفحوصات اللازمة.


ولم تكن المعاناة صحية فقط، بل كانت لها أيضاً أعباء مالية ثقيلة؛ إذ أصبحت تكاليف العلاج والأدوية والتحاليل والفحوصات تشكل تحدياً يومياً. وقد تصل المصاريف، بحسب المرحلة العلاجية والأدوية والفحوصات المطلوبة، إلى مبالغ مرتفعة، من بينها دواء كنت أحتاج إلى علبة منه شهرياً تضم 28 قرصاً، يبلغ ثمنها حوالي 6100 درهم، وفق ما عشته خلال تلك المرحلة.


وسط هذا كله، لم يكن أمامي سوى التمسك بالأمل، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والإيمان بأن الأعمار بيد الله.


بداية رحلة الألم ومصارعة المرض


ما قالته لي الدكتورة قلب حياتي رأساً على عقب. وجدت نفسي أمام واقع صحي لم أكن أتخيله، وبدأت رحلة طويلة من المعاناة ومصارعة المرض، وما يرافقها من خوف وقلق وانتظار وترقب لكل نتيجة تحليل ولكل تطور جديد في حالتي الصحية.


انطلقت رحلة العلاج تحت إشراف الدكتورة لبنى الوافي، التي بذلت مجهودات كبيرة من أجل متابعة وضعي الصحي والحد من تطور المرض، بمساندة أخي وصديقي مصطفى الحياني، الذي كان إلى جانبي في هذه المحنة.


لكن رحلة العلاج لم تكن سهلة، ولم تسر دائماً كما تمنيت؛ فقد تعرضت، من حين إلى آخر، لنوبات من الغيبوبة الكبدية، وهي من المضاعفات الخطيرة التي زادت من صعوبة وضعي الصحي، وعمّقت معاناتي ومعاناة أسرتي.


وهكذا وجدت نفسي في مواجهة مرض لا يقتصر أثره على الجسد وحده، بل يمتد إلى الحياة اليومية والنفسية والعائلية، ويجعل المريض يعيش بين الأمل في التحسن والخوف من الانتكاس، وبين متطلبات العلاج وتكاليفه الثقيلة.


ولم تتوقف رحلة البحث عن العلاج عند حدود المغرب، بل قادتني معاناتي الصحية إلى السفر نحو فرنسا ومصر، في محاولة لمواصلة العلاج والبحث عن كل ما يمكن أن يساعدني على مواجهة المرض واستعادة عافيتي.


هذه بعض فصول حكايتي مع تشمع الكبد؛ حكاية إنسان وجد نفسه فجأة في مواجهة مرض غيّر مجرى حياته، لكنه ظل متشبثاً بالأمل، مستعيناً بالله، وممتناً لكل من مدّ إليه يد المساعدة في أصعب لحظات حياته.


يتبع…