بعد أربعين سنة قضيتها بين الصحافة والدواوين الوزارية، وأنا أتنقل بين الخبر العاجل والبلاغ الرسمي، وبين ما يقال في العلن وما يهمس به في الكواليس، اكتشفت أخيرا أنني كنت أمارس المهنة الخطأ بالطريقة الخطأ، أو ربما كنت أقرأ كتاب النجاح من الصفحة الأخيرة!
فقد اطلعت، في الآونة الأخيرة، على بعض السير المهنية لوزراء شباب، فوجدتني أمام معجزة تستحق الدراسة في كليات الاقتصاد والتدبير، وربما في كليات الطب أيضا، بحثا عن السر البيولوجي الذي يسمح لبعض الناس باختصار الزمن، والقفز فوق الدرجات، والوصول إلى قمة المسؤولية قبل أن يتسنى لغيرهم حتى إتمام ترتيب أوراقهم الإدارية.
أربعون سنة وأنا أعتقد، بسذاجة صحافي قديم، أن الخبرة تكتسب بالتدرج، وأن الملفات تفهم بالقراءة والمتابعة، وأن المسؤولية تحتاج إلى شيء من التجربة، وأن الطريق إلى المكاتب الكبرى يمر، بالضرورة، عبر مكاتب أصغر، وأكوام من الوثائق، وساعات طويلة من الانتظار، واجتماعات لا تنتهي إلا لتعلن عن اجتماع آخر.
لكن يبدو أنني لم أكن أعرف قواعد اللعبة كاملة.
كنت أظن أن الصحافة مدرسة لفهم المجتمع، وأن العمل في الدواوين الوزارية مختبر لفهم الدولة، وأن أربعين سنة من الاحتكاك بالمسؤولين وصناعة القرار كفيلة، على الأقل، بأن تمنح صاحبها شهادة تقدير من الزمن، إن لم تمنحه ثروة محترمة.
غير أنني، بعد الاطلاع على بعض السير الوزارية الشابة، بدأت أشك في جدوى هذا المنهج التقليدي. لماذا أتعب نفسي بكل هذه السنوات، ما دام الزمن المهني يبدو قابلا للاختصار، وما دامت المسافة بين بداية المسار وقمته قد أصبحت، في بعض الحالات، أقصر من المسافة بين مكتبين في ممر حكومي؟
لا أريد أن أظلم أحدا. فالشباب ليس عيبا، والنجاح المبكر ليس جريمة، والكفاءة لا تقاس بعدد التجاعيد ولا بعدد السنوات التي أمضاها المرء في طوابير الانتظار. وقد يكون بين هؤلاء الوزراء من يمتلك فعلا مؤهلات استثنائية وتجربة تستحق التقدير.
لكن السؤال الذي يلح علي ليس: لماذا وصل هؤلاء مبكرا؟ بل: لماذا يحتاج آخرون إلى عمر مهني كامل حتى يكتشفوا أنهم كانوا يسيرون في الاتجاه الصحيح، ولكن بسرعة خاطئة؟
ثم إنني، وأنا أقارن بين رصيدي من السنوات ورصيد بعض الشباب من المناصب، وجدت نفسي مضطرا إلى مراجعة مفاهيمي الاقتصادية. كنت أحسب التراكم بالخبرة، فإذا بي أكتشف أن هناك من يراكم المسؤوليات بوتيرة أسرع بكثير. وكنت أظن أن العلاقات المهنية تبنى مع مرور الزمن، فإذا بالزمن نفسه يبدو أحيانا وكأنه موظف لدى أشخاص دون غيرهم.
أما الثروة، فحدث ولا حرج!
أربعون سنة من العمل، ولم أصبح مليارديرا. لم أتمكن من تحويل أرشيفي إلى منجم ذهب، ولا ملاحظاتي الصحافية إلى أسهم في البورصة، ولا معرفتي بدهاليز الإدارة إلى عقارات تتضاعف قيمتها كلما انعقد مجلس حكومي.
لقد أمضيت عمري أبحث عن المعلومة، بينما يبدو أن السؤال الأهم كان ينبغي أن يكون: كيف تتحول المعلومة إلى قيمة؟ وكيف تتحول الخبرة إلى أصل اقتصادي؟ وكيف يستطيع المرء أن يخرج من الحياة المهنية وفي يده، إلى جانب بطاقات الزيارة القديمة، شيء من الثروة التي تعينه على مواجهة الشيخوخة وأسعار المعيشة؟
ربما كانت مشكلتي أنني أخذت عبارة "خدمة الصالح العام" على محمل الجد، ونسيت أن أضيف إليها، في هامش صغير، عبارة "وتدبير الصالح الخاص"، في حدود القانون والأخلاق طبعا.
وربما كنت من ذلك الجيل الذي اعتقد أن العمل الجاد يكفي، وأن الاعتراف يأتي في النهاية، وأن الدولة تتذكر تلقائيا أولئك الذين أمضوا سنواتهم في خدمتها. ثم اكتشفت أن الذاكرة المؤسساتية قصيرة أحيانا، وأن التقاعد قد يكون أسرع من وصول رسالة الشكر.
ومع ذلك، لا أريد أن أحول سخريتي إلى محاكمة لجيل جديد، ولا أن أجعل من عمري المهني حجة ضد طموح الشباب. ما أطلبه ليس إبطاء سرعة الآخرين، بل فهم المعايير التي تجعل بعض المسارات تتقدم بسرعة لافتة، ومعرفة ما إذا كانت الفرص تُوزع على أساس الكفاءة والاستحقاق والنتائج، أم أن هناك عوامل أخرى تستحق النقاش بشفافية.
فالدولة تحتاج إلى الشباب، كما تحتاج إلى خبرة الذين أفنوا أعمارهم في فهم مؤسساتها. والمشكلة ليست في أن يصل شاب إلى الوزارة، بل في أن يصبح المسار المهني لغزا لا يستطيع المواطن تفسيره، أو أن يشعر صاحب الخبرة الطويلة بأن سنواته لم تضف إلى مستقبله ما يتناسب مع ما قدمه.
أما أنا، فقد قررت أن أتوقف عن لوم الزمن. فالزمن بريء؛ إنه يمنح الجميع أربعا وعشرين ساعة في اليوم، لكنه لا يضمن للجميع النتائج نفسها.
وسأواصل، على الأرجح، عملي القديم: أقرأ السير، وأحلل الخطابات، وأراقب التحولات، وأكتب المقالات. لكنني سأضيف إلى دفتر ملاحظاتي سؤالا جديدا، ربما كان ينبغي أن أطرحه منذ أربعين سنة:
هل كنت أعمل طوال هذه العقود كي أفهم كيف تصنع السلطة، أم كان علي أن أفهم أيضاً كيف تصنع الثروة؟
وفي انتظار العثور على جواب مقنع، سأكتفي بلقب لا تمنحه المراسيم الحكومية ولا يحتاج إلى تصويت برلماني: صحافي مخضرم، غني بالتجربة، فقير بالمليارات!
ولعلها، في نهاية المطاف، مفارقة تستحق مقالا آخر: كيف يمكن للمرء أن يقضي نصف عمره قريبا من صناعة القرار، ثم يكتشف، عند جرد الحساب، أن أقوى ما راكمه هو القدرة على كتابة مقال ساخر عن الذين وصلوا قبله؟
وهكذا، بعد أربعين سنة من الصحافة والدواوين، لم أصبح مليارديرا … لكنني، على الأقل، أصبحت أملك ما يكفي من الحكايات لأكتب عن الذين أصبحوا وزراء قبل أن تنتهي حكايتي المهنية.






