أغرقت التجاوزات الأمنية والتدخلات العنيفة فرنسا في أزمة سياسية واجتماعية غير مسبوقة، عقب قمع المظاهرات الحاشدة التي شهدتها البلاد، ما أدى إلى تفاقم حدة الاحتقان وتأجج المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن.
وتزايدت الغضبة الشعبية والتنديدات الحقوقية في أعقاب تسجيل إصابات خطيرة في صفوف المتظاهرين، كان أبرزها تعرض شاب يبلغ من العمر 17 عاماً في مدينة سانت إتيان لبتر يده اليمنى جراء انفجار قنبلة أطلقتها عناصر الشرطة، إلى جانب إصابة مسؤولات نقابيات في تولوز، وتسجيل حالة وفاة إثر سكتة قلبية خلال أحداث باريس.
ودفع هذا التصعيد الميداني النيابة العامة إلى تكليف المفتشية العامة للشرطة الوطنية بفتح تحقيقات عاجلة لبحث ملابسات الاستخدام المفرط للقوة.
وامتدت رقعة الغضب لتتحول شوارع كبرى المدن الفرنسية إلى ساحات مواجهة مفتوحة شهدت عمليات تخريب ونهب واسعة النطاق ألحقت أضراراً بالغة بالممتلكات العامة والخاصة.
وتأثرت مدن باريس ومرسيليا وليون وبوردو وتولوز وليموج بشدة، حيث أضرمت النيران في بلدية ليموج التاريخية الممتدة لـ 143 عاماً بكلفة إصلاحات تتجاوز مليون يورو، بينما تعرض نحو 100 متجر للنهب في بوردو.
وطالت الأضرار سلاسل تجارية كبرى مثل "كارفور" التي تضرر لها 50 متجراً، لتبلغ الحصيلة المباشرة الخسائر في نحو 1500 محل تجاري على مستوى البلاد، بكلفة اقتصادية أولية تُقدر بمئات الملايين من اليوروهات وفق اتحاد التجارة والتوزيع الفرنسي.
وأمام اتساع رقعة الاحتجاجات، شَنّت السلطات أوسع حملة أمنية شُهدت مؤخراً، أسفرت عن توقيف أكثر من 1800 شخص عبر مختلف المحافظات، من بينهم 855 موقوفاً في العاصمة باريس وحدها، حيث وُضع أكثر من 500 شخص رهن الحراسة النظرية بينهم 171 قاصراً.
وفي المقابل، أعلنت السلطات الفرنسية عن تعرض أكثر من 500 عنصر من أفراد الشرطة والدرك والإطفاء لإصابات مختلفة خلال الاشتباكات التي رافقت محاولات فض التجمعات بالقوة.
وفجّر أسلوب إدارة الأجهزة الأمنية للاحتجاجات سجالاً سياسياً محموماً داخل البلاد، حيث انتقد زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلونشون الانتشار الشرطي المكثف واعتبره سبباً مباشراً في استثارة الجماهير وتصعيد حدة العنف، مع تأكيده على دعم المطالب الاجتماعية المشروعة ورفضه في الوقت نفسه لأعمال النهب.
ومن جانبها، ألقت الحكومة واليمين باللائمة على مجموعات أقصى اليسار متهمين إياها بالحض على العنف واستغلال الحراك للتخريب، بينما شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على حماية المؤسسات والممتلكات مع احترام حق التظاهر السلمي.
وعلى الصعيد النقابي، حمّلت "الكونفدرالية العامة للشغل" الحكومة المسؤولية السياسية الكاملة عن تدهور الأوضاع بسبب تعنتها واستخدام القمع بدلاً من الاستجابة للمطالب العمالية المتعلقة بغلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية وتراجع القدرة الشرائية.
وشاركت أعداد غفيرة تراوحت بين 550 ألف مشارك حسب تقديرات وزارة الداخلية و800 ألف وفق المنظمين، أطرتها حركة طلابية ونقابية واسعة.
ودعت النقابات الفرنسيين إلى مواصلة التعبئة والتجهيز لإضراب وطني شامل في الخامس من نونبر القادم، وسط ترقب كبير لخطاب الرئيس ماكرون لتحديد المسار السياسي للأزمة.






