سياسة واقتصاد

اعتذار إلى الدكتور يونس السكوري… حين تُصبح المفارقة أبلغ من الكلام!

حنان فطراس

السيد يونس السكوري المحترم،


أدين لك باعتذار يليق بمسارك الأكاديمي والمهني، وبما راكمته من تكوين وتجربة، لا بما حملته الصفة الوزارية وحدها.


فأنت مهندس دولة في الاتصالات، خريج المعهد الوطني للبريد والمواصلات، وحاصل على دكتوراه في الاستراتيجية من المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، وعلى شهادتي ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال من École des Ponts Business School بفرنسا وFox School of Business, Temple University بالولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن تكوين في القيادة بمعهد آسبن في باريس. وامتد مسارك إلى التدريس والاستشارة، وتولّي مسؤولية عمادة منطقة إفريقيا بمدرسة الأعمال École des Ponts Business School، والعمل خبيرًا لدى اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، والمساهمة في أعمال مرتبطة بتقرير التنمية البشرية العربية.


أعتذر لأنني كنت أواجه هذا الرصيد بأسئلة برلمانية، وأُثقل لقاءاتنا بملفات لم أكن أبحث فيها عن المجاملات، بل عن أجوبة. كنت أعود إلى السؤال كلما بقي الملف معلّقًا، وألحّ في طلب التوضيح كلما رأيت أن مسؤولية التمثيل تقتضي ألّا يتحوّل الصمت إلى جواب، ولا المجاملة إلى بديل عن المساءلة.


لقد كنتَ تجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة المهنية والاحتكاك بالسياسات العمومية؛ وكنتُ أتصوّر أن هذا التراكم يجعل الحوار حول الملفات أكثر غنى، وأن السؤال البرلماني، مهما كان مزعجًا، يظلّ جزءًا من مسؤولية مشتركة تجاه المواطنين.


ثم جاءت سخرية الأقدار: يغادر صاحب التجربة، وتبدأ مرحلة تفرض على المرء أن يعيد النظر في تصوّراته عن معايير الاستحقاق. شهادة دكتوراه تظهر في الوقت بدل الضائع، وتخصّص في جهة، وحقيبة تشغيل في جهة أخرى؛ وبينهما مسافة تثير أسئلة لا تجيب عنها الألقاب، ولا يحسمها مجرّد الجلوس على كرسي المسؤولية.


ويبدو أنني كنت أظنّ أن التكوين المتصل بمجال المسؤولية، والخبرة ذات الصلة، والقدرة على تدبير الملفات، شروطٌ طبيعية حين يتعلق الأمر بحقيبة تمسّ فرص الشغل، ومستقبل الشباب، واستقرار الأسر، وحقوق الشغيلة. فإذا بالمشهد يذكّرني بأن ما نعدّه بديهيًا قد لا يكون بالضرورة هو المعيار الذي تُرتّب على أساسه الأمور.


ولأن المفارقة لا تقف عند الشهادات والتخصصات، فإن التمثيل الدولي بدوره ليس مجرد حضور رسمي أو صورة تلتقط في المحافل؛ إنه قدرة على التواصل، وحسن عرض المواقف، والدفاع عن مصالح البلاد بالحجة والبيان. فالموقع يمنح صاحبه الصفة، لكنه لا يمنحه تلقائيًا كل الأدوات التي تتطلبها المسؤولية.


لهذا، يا دكتور، أعتذر عن أسئلة لم تكن غايتها إحراجك، بل مساءلة السياسات العمومية؛ وأعترف بأنني ربما رفعت سقف انتظاراتي أكثر مما ينبغي، حين افترضت أن الكفاءة والخبرة والملاءمة بين التخصص والمسؤولية أمور لا تحتاج إلى تذكير.


أما حقي في السؤال، فسأظل أمارسه؛ لأن التشغيل ليس حقيبة عابرة في ترتيب حكومي، ولا ملفًا تقنيًا يمكن التعامل معه بمنطق التجربة والخطأ. إنه حياة أشخاص ينتظرون فرصة عمل، وشباب يؤجلون أحلامهم، وأسر تتوقف طمأنينتها أحيانًا على قرار أو سياسة.


بعضُ المفارقات لا تحتاج إلى تسمية؛ فبلاغةُ المشهد أبلغُ من التصريح. ولماذا يا وطني، كلّما تشبّثتُ بأهدابك، دفعتَ بي إلى متاهات الزحام، كأنّ الوفاء لك امتحانٌ لا ينتهي، وكأنّ التيه قدري كلّما سعيتُ إلى ملامسة حلمي فيك؟


 حنان فطراس