مجتمع وحوداث

كيف ستُترجم الخبرة إلى سياسات تستوعب النبض اليومي لمهنيي السياحة؟

مروان بن فارس
أول اسم بحثت عنه في التشكيلة الحكومية الجديدة بحكم انتمائي اليومي لقطاع السياحة كمسير لرياضين بالمدينة العتيقة لتطوان، وانشغالي الأكاديمي بسوسيولوجيا السياحة، كان طبيعياً أن تتجه عيناي مباشرة نحو حقيبة السياحة، والاسم الذي سيحملها: جلال شرف.

توجهت فوراً إلى منصة LinkedIn، أرسلت له طلب تواصل، وبدأت أتأمل سيرته المهنية. نحن أمام مسار "تيكنوقراطي" بامتياز؛ مهندس خريج المدرسة المركزية بباريس (Centrale)، مر من جامعة كورنيل، وتلقى تكويناً تنفيذياً في هارفارد. راكم خبرات ثقيلة بين القطاع الخاص، الاتحاد العام لمقاولات المغرب، ومؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وصولاً إلى قيادة ملفات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P).

بروفايل غني جداً بلغة التدبير والاقتصاد والتكنولوجيا. 

لكن، بمجرد أن تضع هذا المسار الماكرو-اقتصادي أمام مرآة الواقع، يبرز سؤال جوهري: كيف ستُترجم خبرة قادمة من عالم الأرقام الكبرى والمؤسسات العملاقة إلى سياسات تستوعب النبض اليومي للمهنيين الميدانيين؟

من موقعي كفاعل و باحث في السياحة، هناك رسائل وواقع أتمنى أن تصل للوزير الجديد.


تطوان اليوم لا تحتاج فقط إلى "بروشورات" أو حملات ترويجية موسمية كباقي المدن التي يُراد تلميعها سياحياً، بل تحتاج إلى إنعاش حقيقي لمعالجة "السكتة القلبية" التي تصيبها بمجرد انتهاء فصل الصيف. نحن لسنا قطباً صناعياً كطنجة، ولا نملك تنوعاً اقتصادياً يمتص البطالة ويخلق البدائل؛ السياحة هنا ليست مجرد "خيار قطاعي"، بل هي رئة اقتصادية واجتماعية نتنفس بها، وتطويرها مسألة بقاء.

كيف يمكننا الحديث عن إقلاع سياحي، ومطار تطوان يعاني من عزلة في الربط الجوي، بينما تستحوذ طنجة على حصة الأسد من الرحلات؟

وهناك ما هو أعمق في يومياتنا كمهنيين: المفارقة القانونية الغريبة. الكثير من الرياضات ودور الضيافة هنا تشتغل برخص قانونية صادرة عن الجماعة، لكنها تجد أبواب الوزارة موصدة أمامها حين يتعلق الأمر بالاندماج في منظومة "التصنيف السياحي". هذا الوضع يقصينا من برامج الدعم، المنح، والمواكبة، رغم أننا نحن من نصنع التجربة السياحية داخل أسوار المدينة العتيقة ونثمن تراثها المعماري.


وفي الوقت الذي نكافح فيه لتسوية هذه الوضعية، نتلقى ضربات يومية من منافسة غير عادلة تماماً. شقق ومنازل تتحول بين ليلة وضحاها إلى وحدات للكراء اليومي، تشتغل براحة تامة خارج أي إطار تنظيمي أو جبائي، بينما نتحمل نحن ثقل الضرائب، وتكاليف التصريح، والتزامات الجودة، مما يضرب مردوديتنا في مقتل.


نحن في تطوان نحتاج لزوار طيلة أيام السنة، سواء حجزوا عبر المنصات الرقمية (التي نحتاج لمواكبة تحولاتها) أو بالطرق الكلاسيكية.


أتمنى صادقاً أن يبدأ السيد الوزير أجندته بالإنصات، وألا تقتصر حواراته على المجموعات السياحية الكبرى والمستثمرين الحيتان. المهنيون الصغار، أصحاب الرياضات، المرشدون، الحرفيون، والباحثون.. هؤلاء هم من يمشون في أزقة القطاع ويعرفون خباياه، ولديهم من الحلول الواقعية ما قد يغيب عن التقارير الرسمية.


سأعود في منشورات مقبلة لمشاركة مقترحات وتفاصيل أكثر، أستمدها من التماس المباشر مع الزوار ومن زاوية البحث السوسيولوجي الميداني.