في «لسان العرب»: «قرأتُ الشيءَ قرآنًا: جمعتُه وضممتُ بعضه إلى بعض». هكذا تكون القراءة في أحد أصولها اللغوية جمعًا قبل أن تكون نطقًا: القارئ يجمع رموزًا بصرية متفرّقة، فتصير أمام عينيه عوالم ومعاني وحكايات. وعلى هذا النحو تحفظ اللغة حقيقة نوشك أن ننساها: ليس القارئ مجرّدَ متلق، بل شريكًا في خَلق المعنى.
وهذا الخَلق إنما يقع أساسًا في «الفراغات» التي يتركها النص، كما يؤكد كثير من النقاد. تقول الرواية «دخل الغرفة»، ولا تذكر لون الجدران ولا ملامح الوجه ولا نبرة الصوت؛ فأنت من يلوّن ويرسم ويُنطِق. ولهذا لا يقرأ قارئان الكتاب نفسه، ولا يقرأ المرء في الأربعين الكتاب الذي قرأه في العشرين؛ لأنّ ما يملأ الفراغات هو حياته هو. وهذا ما قصده بروست في «الزمن المستعاد» (1927)، آخر أجزاء سباعيته «البحث عن الزمن المفقود»، حين كتب أنّ كلّ قارئ، حين يقرأ، إنما يقرأ نفسه، وأنّ الكتاب ليس إلّا أداة بصرية يقدّمها الكاتب للقارئ ليرى في نفسه ما لم يكن يراه.
وهنا يتّضح الفرق بين الكتاب والشاشة. فالفيلم يملأ الفراغات الحسّية كلّها سلفًا: الوجهَ والصوت ولون الجدران، فلا يترك لك ما تجمعه. القارئ يعرف الكتاب لأنه أنشأ نصفه، أمّا المشاهد فيتسلّم الفيلم مكتملًا. ولذلك قلّما ينجو فيلمٌ مقتبس عن رواية من خيبة قرّائها: لا لأنه أخطأ في اختيار الممثّل، بل لأنه قتل الوجه الذي كان كلّ قارئ قد رسمه بنفسه.
من هنا نفهم لماذا يفشل الملخّص مهما بلغت دقّته: إنه يسلّمك المجموع ويحرمك من فعل الجمع؛ يعطيك الناتج ويصادر العملية التي كانت ستغيّرك. ذلك أنّ كل كتاب تقرأه، نصفُه على الورق ونصفُه الآخر هو أنت بالذات.






