سياسة واقتصاد

هل خرقت حكومة المنصوري الفصل 88 من دستور؟

سفيان خلي هنا

انتشر منشور أحمر يقول: "حكومة المنصوري تبدأ بخرق الدستور... خرق الفصل 88 الذي يقول تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب... وهو الأمر الذي لم يحصل بعد ومع ذلك تتم عمليات تسليم السلط... أية إهانة هذه لمجلس النواب؟"


الكلام يبدو مقنعاً للوهلة الأولى، لكنه للأسف يدل على جهل تام بالدستور، أو تجاهل متعمد له من أجل البوز السياسي.


ماذا يقول الدستور فعلاً؟


من يفتح الدستور سيجد فصلين يكملان بعضهما، ولا يمكن قراءة واحد دون الآخر:


*الفصل 47: "يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب... ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها."


*الفصل 88:"بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج... وتعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب..."


لاحظوا الترتيب الدستوري الذي وضعه المشرع:


الملك يعين أولاً، ثم تسلم السلط ثانياً، ثم عرض البرنامج ونيل الثقة ثالثاً.


فكيف يعقل أن يطلب من رئيس حكومة أن يعرض برنامجاً أمام البرلمان وهو لم يدخل بعد إلى مكتبه ولم يتسلم ملفات وزاراته؟


إذن ما الفرق بين حكومة معينة وحكومة منصبة؟


وهنا بيت القصيد الذي لا يفهمه تجار البوز الدستوري:


الدستور المغربي يميز بين حالتين:


1. حكومة معينة: تبدأ شرعيتها القانونية من لحظة صدور الظهير الشريف بتعيينها. من حقها من تلك اللحظة أن تدخل الوزارات، وتجلس مع الكتاب العامين، وتطلع على الملفات، وتجهز برنامجها. هذا ما يقع الآن.


2. حكومة منصبة: تبدأ شرعيتها السياسية الكاملة من لحظة تصويت 198 نائباً على الأقل لصالح برنامجها. ومن هذه اللحظة فقط يحق لها إصدار المراسيم، وتوقيع الاتفاقيات الدولية، واتخاذ القرارات السيادية.


تسليم السلط الذي نراه في الصور ليس ممارسة للحكم، بل هو إجراء إداري بروتوكولي، وقع في حكومة بنكيران 2012، وحكومة العثماني 2017، وحكومة أخنوش 2021، دون أن يعترض أحد.


الخرق الدستوري الحقيقي يكون لو أن حكومة المنصوري أصدرت مرسوماً أو أوقفت مشروعاً أو عينت مسؤولاً قبل نيل الثقة. أما جلوس وزير في مكتبه، فليس خرقاً.


وهنا لابد من قول كلمة في ظاهرة أصبحت مرضاً سياسياً: كلما تشكلت حكومة، خرج علينا من كل زاوية من يتنطع بفهم الدستور، وهو لم يقرأ منه إلا سطراً واحداً على الفايسبوك.


ومنهم الأخ جمال العسري الذي يتناقل كلامه اليوم، مع احترامنا لشخصه. أن تتحول فصول الدستور إلى مادة للبوز واللايكات، وأن تتهم حكومة كاملة بخرق الدستور وأنت لم تكلف نفسك عناء قراءة الفصل 47 مع الفصل 88، فهذه ليست غيرة على الدستور، بل إساءة للدستور نفسه.


الدستور ليس منشوراً أحمر للفايسبوك، الدستور وثيقة قانونية دقيقة تقرأ بمنطق قانوني، لا بمنطق "خالف تعرف". والغيرة على البرلمان لا تكون بتحريض الناس عليه بمعلومة خاطئة، بل تكون بالضغط على الحكومة لتذهب بسرعة إلى البرلمان وتعرض برنامجها، وهناك نحاسبها: هل لديها برنامج مقنع؟ وهل ستجمع 198 صوتاً؟


الإهانة الحقيقية لمجلس النواب ليست في صور تسليم السلط، الإهانة الحقيقية هي إذا تأخرت الحكومة في عرض برنامجها، أو إذا عرضته ولم تنل الثقة واستمرت في الحكم رغماً عن إرادة النواب. أما اليوم، فالمسطرة سليمة دستورياً مائة بالمائة.


فكفى من فقه البوز، ولنترك الدستور لأهله، ولننتظر الامتحان الحقيقي تحت قبة البرلمان.