سياسة واقتصاد

زلزال "النجاعة العمومية" في حكومة المنصوري: هل تنهي ثورة فوزي لقجع الرقمية زمن هدر المال العام؟

محمد المنصوري (مستشار برلماني سابق)

لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أضحى مسألة وجود ومستقبل وطن. هكذا يمكن توصيف الإعلان عن إدراج حقيبة "النجاعة العمومية" ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة المنصوري، وإسنادها إلى رجل الملفات الصعبة فوزي لقجع. هذا التحول الهيكلي يأتي كإجابة حاسمة على تساؤل الشارع المغربي: لماذا الآن؟ فالمرور إلى السرعة القصوى في التدبير لم يعد ترفاً، بل فرضته سياقات وطنية ودولية حساسة لا تحتمل هدر دقيقة واحدة أو درهم واحد من ميزانية الدولة.


سياق يفرض الشفافية والمردودية: القواعد الجديدة للعبة


يواجه المغرب اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية كبرى تتطلب حكامة صارمة، مما جعل هذه الوزارة تولد في قلب عاصفة من الانتظارات الشعبية القائمة على ثلاثة ركائز أساسية:

• النزاهة ومحاربة الهدر: أصبحت المحافظة على المال العام تفرض رصد مواطن الخلل والتعثر في المشاريع قبل تفاقمها. الهدف واضح: تحويل الموارد مباشرة إلى خدمات ملموسة يستفيد منها المواطن في قطاعات حيوية كالمرتبة الأولى للصحة، والتعليم، والتشغيل.

• الشفافية في التدبير: يتطلع الرأي العام والشركاء الدوليون إلى وضوح تام في الاختيارات السياسية والمالية، وهو ما تضمنه آليات التقييم المستمر التي تفرضها معايير النجاعة الصارمة.

• تحقيق المردودية: القياس الحقيقي لنجاح الحكومة لم يعد مرتبطاً بعدد المشاريع المُعلنة أو الوعود الممنوحة، بل بجودتها، وتكلفتها العادلة، والالتزام الصارم بآجال تسليمها.


الأدوار المحورية: الأسلحة الاستراتيجية لقطاع النجاعة العمومية


يُنتظر من هذا التوجه الحكومي الجديد أن يضطلع بمهام محورية تُغير وجه المرفق العام بشكل جذري عبر:

• ترشيد الإنفاق العام: محاصرة النفقات غير الضرورية وتوجيه الدعم المالي والعمومي نحو القطاعات الأكثر إنتاجية والأوراش ذات الأثر الاجتماعي المباشر.

• الرقمنة والذكاء الاصطناعي كأدوات للفعالية: تتقاطع أهداف النجاعة بشكل وثيق مع إحداث وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. هذا التحالف التكنولوجي يسعى لتسريع وتيرة المساطر الإدارية، وتقليص البيروقراطية المقيتة، وتسهيل ولوج المواطنين والمستثمرين للخدمات بمرونة ونزاهة.

• تفعيل التقييم والمساءلة: إرساء منظومة قياس أداء دورية تُمكن الحكومة من الدفاع عن خياراتها أمام البرلمان والرأي العام بناءً على أرقام وحقائق ملموسة، وليس على مجرد شعارات فضفاضة.


الرهان الحقيقي: من الشعارات السياسية إلى الأثر اليومي


إن تضمين عبارة "النجاعة العمومية" في القاموس الوزاري يرفع سقف التوقعات لدى المغاربة إلى أعلى مستوياته. الرهان الحقيقي الذي يواجه الوزير فوزي لقجع والفريق الحكومي ككل ليس صياغة النصوص، بل تحويل هذا المفهوم المعياري إلى واقع معيش.

إن المحك الحقيقي لنجاح هذه التجربة يقترن بقدرة الوزارة على تسريع وتيرة إنجاز الأوراش الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية الحارقة، وضمان تقديم خدمات عمومية ترقى لانتظارات المواطن المغربي الذي لم يعد يقبل بأقل من الجودة والسرعة.