وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً، خصوصاً في مجال ما تزال فيه كلفة التحاليل الجزيئية وصعوبة الوصول إلى التكنولوجيا المتطورة من أبرز العوائق أمام المرضى.
سرطان المبيض… المرض الذي لا يبدأ وينتهي تحت المجهر
لم يعد علاج سرطان المبيض يعتمد فقط على شكل الخلايا السرطانية كما تظهر تحت المجهر.
فالعلماء أصبحوا ينظرون أيضاً إلى ما يحدث داخل الحمض النووي DNA للورم.
وهنا يأتي دور البحث عن ما يسمى عجز إعادة التركيب المتماثل HRD، وهو خلل يصيب الآليات التي يعتمد عليها الجسم لإصلاح الأضرار التي تحدث في الحمض النووي، ويظهر خصوصاً في بعض الأنواع الشديدة من سرطان المبيض.
ويساعد اكتشاف هذا الخلل الأطباء على تحديد المريضات اللواتي قد يستفدن من علاجات موجهة، من بينها مثبطات PARP، وهي أدوية مهمة في علاج السرطان وفق أسلوب الطب الدقيق.
لكن قبل ذلك، يجب أن يكون هذا الفحص متاحاً.
في العديد من البلدان ذات الموارد المحدودة أو المتوسطة، تُجرى مثل هذه التحاليل الجزيئية المتطورة في مختبرات مركزية، وأحياناً خارج البلاد.
وهنا تظهر مشكلات أخرى: الوقت، ونقل العينات، والإجراءات اللوجستية، والأهم من ذلك الكلفة، التي قد تتحول إلى حاجز حقيقي أمام حصول المريضة على العلاج الشخصي المناسب.
215 مريضة تحت المجهر الجزيئي في الرباط
في هذا السياق، تكتسب الدراسة التي أنجزها فريق تقوده الدكتورة بسمة الخنوسي، رئيسة مصلحة التشريح المرضي والمرضيات الجزيئية بالمعهد الوطني للأنكولوجيا INO، أهمية خاصة.
وشارك في الدراسة كل من يوسف المهدي، شيماء منجيد، ضحى مديون، سلمى أكديم، سمية الشرِيف، سامية الساسي وإسماعيل بوجيدة.
وقد شملت الدراسة، في ظروف الممارسة الطبية اليومية، 215 مريضة مصابة بسرطان المبيض المصلي عالي الدرجة وفي مرحلة متقدمة، وتمت متابعتهن بالمعهد الوطني للأنكولوجيا بالرباط بين مارس 2024 ومارس 2026.
وكان الهدف واضحاً وطموحاً: معرفة ما إذا كان بالإمكان إجراء فحص HRD محلياً وبشكل لامركزي، أي داخل المغرب ودون الحاجة إلى إرسال العينات إلى مختبرات خارجية، وفي ظروف العمل اليومية المعتادة.
وقد أُجريت التحاليل على عينات من الأورام محفوظة بالطرق التقليدية المعتمدة في تثبيت الأنسجة وإدماجها في مادة البارافين.
واستخدم الباحثون تقنية حديثة لتحليل المادة الوراثية تسمى التسلسل الجيني من الجيل الجديد NGS، عبر منصة Oncomine Comprehensive Assay Plus.
ولكي تكون العينة صالحة للتحليل، كان يجب أن تتوفر فيها شروط معينة، من بينها أن تمثل الخلايا السرطانية ما لا يقل عن 20% من العينة، وألا تتجاوز نسبة النخر 30%.
أكثر من مريضة من كل اثنتين تحملان HRD
من أصل 215 عينة، أمكن تحليل 158 عينة بشكل نهائي.
والنتيجة اللافتة أن 87 مريضة، أي 55.1%، كنّ إيجابيات بالنسبة إلى HRD.
ومن بين هؤلاء، كانت لدى 50 مريضة، أي 57.5%، طفرات في جيني BRCA1 أو BRCA2.
أما 37 مريضة، أي 42.5%، فلم تكن لديهن طفرة في BRCA1 أو BRCA2، ومع ذلك كنّ إيجابيات بالنسبة إلى HRD.
وهذه النتيجة مهمة جداً، لأنها تؤكد أن غياب طفرة BRCA لا يعني بالضرورة غياب الخلل في آليات إصلاح الحمض النووي.
بمعنى آخر، فإن الصورة الجزيئية لسرطان المبيض أكثر تعقيداً من مجرد القول: «BRCA إيجابي» أو «BRCA سلبي».
العمر أيضاً يدخل في المعادلة
كشفت الدراسة كذلك عن علاقة بين العمر ونسبة وجود HRD.
فقد بلغت النسبة 69.4% لدى النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 50 و59 سنة، مقابل 32.1% لدى النساء اللواتي يبلغن 70 سنة أو أكثر.
وكان هذا الارتباط ذا دلالة إحصائية، وفق نتائج الدراسة.
الطب الدقيق يبدأ قبل المختبر
لكن الدراسة كشفت عن مشكلة أخرى، ربما أقل إثارة من النتائج الجينية، لكنها أساسية جداً.
فالطب الدقيق لا يبدأ داخل المختبر، بل يبدأ من جودة العينة التي تصل إليه.
من أصل 215 عينة، لم تستوفِ 57 عينة، أي 26.5%، شروط الجودة الضرورية للتحليل.
وفي 40 حالة، أي 70.2% من حالات الفشل، كان السبب مرتبطاً بتدهور الحمض النووي.
أما في 17 حالة أخرى، أي 29.8% من حالات الفشل، فلم تكن كمية الحمض النووي المتوفرة كافية، خصوصاً بسبب صغر حجم الخزعات وقلة الخلايا السرطانية أو وجود نسبة مرتفعة من التليف.
وهذا يعني أن امتلاك جهاز حديث للتسلسل الجيني لا يكفي وحده.
فنجاح التحليل يتطلب التحكم في سلسلة كاملة من المراحل: أخذ العينة، حفظها، تثبيتها، إعدادها، ثم استخراج الحمض النووي منها.
ثلاثة أسابيع للحصول على النتيجة… لكن الكلفة تظل تحدياً كبيراً
بلغ متوسط المدة اللازمة للحصول على نتائج الفحص حوالي ثلاثة أسابيع.
وهذا يشير إلى أن إجراء هذا النوع من التحاليل محلياً يمكن أن يندمج في المسار العلاجي لمريضات سرطان المبيض دون أن يؤدي بالضرورة إلى تأخير كبير في العلاج.
لكن هناك تحدياً آخر أكثر حساسية: الكلفة.
ووفق الباحثين، فإن تكلفة فحص واحد تعادل 37.1% من الناتج الداخلي الخام السنوي للفرد في المغرب، وتتجاوز 400% من الحد الأدنى للأجر الشهري.
وخلف هذه الأرقام تطرح الدراسة سؤالاً صحياً واجتماعياً كبيراً:
كيف يمكن تمكين المريضات المغربيات من الاستفادة من الطب الدقيق في علاج السرطان، من دون أن تتحول كلفة الفحص الجيني نفسها إلى عائق أمام العلاج؟
هل تكون اللامركزية والجهوية مفتاحاً لتعميم الطب الدقيق؟
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتجاوز بكثير الجانب التقني المتعلق بفحص HRD.
فهي تظهر أن المغرب قادر على تطوير قدرات محلية متقدمة في مجال التحليل الجزيئي لسرطان المبيض.
لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مجموعة من التحديات: جودة العينات، توحيد طرق العمل، تكوين الفرق الطبية والتقنية، توفر المعدات، والأهم من ذلك الكلفة.
وخلص الباحثون إلى أن إجراء فحص HRD محلياً وبطريقة لامركزية ممكن من الناحية الطبية العملية حتى في سياق محدود الموارد.
أما الخطوة المقبلة، فمن المرجح أن تكون اقتصادية بقدر ما هي طبية.
فلا بد من دراسة العلاقة بين كلفة هذه الفحوص والفائدة العلاجية التي توفرها، وتحديد أفضل السبل لتمويل إدماجها في المسار العلاجي للمريضات.
المغرب يستطيع إجراء الفحص… فكيف نجعله متاحاً لمن تحتاج إليه؟
لم يعد السؤال اليوم هو: هل يستطيع المغرب إجراء هذه الفحوص؟
الدراسة تجيب بوضوح: نعم، يستطيع.
أما السؤال الأهم الآن فهو: كيف يمكن ضمان استفادة المريضات اللواتي يحتجن فعلاً إلى هذه التكنولوجيا؟
وتكتسي هذه الدراسة، التي أنجزها فريق مصلحة التشريح المرضي والمرضيات الجزيئية بالمعهد الوطني للأنكولوجيا، أهمية خاصة، لأن هذا المختبر يمثل، في الوقت الراهن، المنصة العمومية الوحيدة في المغرب القادرة على إجراء هذا النوع من الفحوص.
كما أن نتائج الدراسة، التي تنسجم مع المعطيات العلمية الدولية، تضيف قيمة مهمة إلى مسار علاج سرطان المبيض في المغرب.
وقد تشكل هذه التجربة أيضاً مرجعاً ودعماً لتطوير هذه التحاليل في مختبرات جامعية أخرى، سواء في القطاع العام أو الخاص، بما يساهم في توسيع نطاق الطب الدقيق في مجال علاج السرطان بالمغرب.
فمستقبل الطب الشخصي لعلاج السرطان في المغرب لن يتحدد فقط بامتلاك التكنولوجيا.
بل أيضاً بمدى القدرة على جعل هذه التكنولوجيا متاحة، ومفيدة، وفي متناول المريضات اللواتي يحتجن إليها في مختلف جهات المملكة.






