هذه كلمة إنصاف في حق العثماني، لكنها لا تعني المساس بقدر الأستاذ بن كيران وجرأته في قول الحق. لكن كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ينزل عليه من الوحي، وإلا فقد تمت مراجعته كما حدث في غزوة أحد حينما راجعه بعض الصحابة قائلين (الحباب بن المنذر): أمنزل أنزلكه الله أم هو الحرب والمكيدة؟ فأجاب: بل هو الحرب والمكيدة. فقال الحباب: إنه ليس بمنزل.. ثم اقترح خطة وموقعاً آخر يمكن الرجوع لتفاصيله في كتب السيرة النبوية.
أقول بناءً على ذلك:
استرجاع توقيع الدكتور العثماني على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني لم يكن في محله من قبل الأستاذ عبد الإله بن كيران.. وسرعان ما تلقفه وهبي!! واستخدمه في الدفاع عن جماعة الشرعي.
من باب الإنصاف يتعين التذكير بالمعطيات التالية:
أولاً: الأمانة العامة التي كان يترأسها الدكتور سعد الدين العثماني أصدرت بلاغاً أعلنت فيه رفضها للاختراق التطبيعي، ونفس الشيء بالنسبة للمجلس الوطني.
ثانياً: إن كل متتبع منصف للحظة التوقيع سيتاكد بأن الدكتور العثماني لم يكن على علم -على ما يبدو- بنص الوثيقة التي طلب منه التوقيع عليها.. ولا أتصور أن أميناً عاماً -سواء كان أميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية أو لغيره من الأحزاب- كان سيرفض الاستجابة لدعوة الديوان الملكي، أو سيُعلن في تلك اللحظة رفضه للتوقيع؛ خاصةً فكل المؤشرات تظهر خلال مشهد التوقيع أن الدكتور العثماني قد فوجئ بالتوقيع.
ثالثاً: التوقيع على الاتفاقيات والمعاهدات هو من الناحية الدستورية اختصاص لأعلى سلطة، أي لملك البلاد، كما هو واضح في الفصل 55 من الدستور الذي ينص على ما يلي:
«يعتمد الملك السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يُعتمد السفراء وممثلو المنظمات الدولية.
يوقع الملك على المعاهدات ويصادق عليها، غير أنه لا يصادق على معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين العامة أو الخاصة، إلا بعد الموافقة عليها بقانون.
وللملك أن يعرض على البرلمان كل معاهدة أو اتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها».
من الواضح أن توقيع المعاهدات والاتفاقيات هو في الأصل اختصاص ملكي.. وحيث أنه من الناحية البروتوكولية لم يكن من المناسب واللائق أن يوقع الملك احتراما لتوازي الأشكال والمواقع، فقد كانت التخريجة أن يوقع أول مسؤول في تراتبية الدولة بعد الملك، وهو في هذه الحالة رئيس الحكومة.
ملحوظة: إن إعادة النبش في مسألة توقيع العثماني باسم الدولة المغربية على اتفاقية التطبيع لا فائدة منه وعودة بعقارب الساعة إلى الوراء.
وفد من حماس في المغرب بعد التطبيع أو تطبيع مع حماس:
من ناحية لغة الإشارات، يتعين ألا ننسى أنه مباشرة بعد التوقيع المأسوف عليه، تم استضافة وفد كبير برئاسة خالد مشعل في المغرب، وتم استقباله بشكل يشبه استقبال الوفود الرسمية.. علماً أن الأمانة العامة تحت رئاسة الدكتور العثماني كانت قد أصدرت بلاغاً تؤكد فيه رفضها للاختراق التطبيعي، ونفس الشيء بالنسبة للمجلس الوطني الذي انعقد مباشرة بعد واقعة التوقيع.
كما أنه من الناحية الدستورية فإن اعتماد الاتفاقيات والمعاهدات هو اختصاص لملك البلاد.. علماً أن قضايا السياسة والعلاقات الخارجية قضايا سيادية.
وللإنصاف، كان الدكتور العثماني في لقاء مع الجزيرة بمدة ليست طويلة قد عبر عن موقف واضح من التطبيع.
وهذا القدر من التوضيح كافٍ في نظري لإنصاف الدكتور العثماني، وليس فيه أي توجه لتبرير التطبيع مع الكيان المغتصب أو القبول به.. وفي القرآن الكريم وفي السيرة النبوية عدد من التوجيهات التي تميز بين حالة الإكراه -إكراه من قلبه مطمئن بالإيمان- وبين من يقبل على فعل أو قرار مرفوض منشرحاً صدره بالخطأ والخطيئة!






