قبل أن يكون التعاطف قدرة على الإحساس، فهو قدرة على الخيال. فقد أكد آدم سميث في «نظرية المشاعر الأخلاقية» (1759)، أننا لا نستطيع أن نشعر بما يشعر به غيرنا طالما لا نسكن جسده، وكلّ ما يمكن هو أن نتخيّل أنفسنا في مكانه. بهذا النحو يكون الخيال هو الجسر الوحيد بين الذات والآخر كذات أخرى. ومن هنا فإنّ الرواية هي أعظم مدرسة للأخلاق: إنها الفنّ الذي يتيح لنا، أكثر من أيّ فنّ آخر، أن نقيم ساعات طويلة داخل وعي إنسان مختلف، وأن نرى العالم بعينيه.
وقد ذهبت الفيلسوفة الأمريكية مارثا نوسباوم، في «العدالة الشعرية» (1995)، إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن الخيال الأدبي ضرورة للحياة العامة نفسها. فالقاضي والمشرّع والمواطن يحتاجون إلى تصوّر حياة من لا يشبهونهم، كي لا يحكموا على البشر كأنهم أرقام. وقد قال علماؤنا قديمًا: «الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوّره». والرواية تُنمي هذه القدرة لأنها تُرغمنا على الاهتمام بمصير إنسان واحد بعينه، لا بمعدّلات إحصائية كما تفعل العلوم الإنسانية والسياسات العامة.
والتاريخ شاهدٌ على ذلك. فقد بيّنت المؤرخة لين هانت، في «اختراع حقوق الإنسان» (2007)، أن قرّاء القرن الثامن عشر بكوا أبطال وبطلات أشهر الروايات قبل أن تُكتب الإعلانات الأولى للحقوق. فحين تعلّموا أن يتماهوا مع خادمة مستضعفة أو عاشقة مقهورة، صار ممكنًا أن يتصوّروا أن لكلّ إنسان، مهما دنت منزلته، باطنًا مثل باطنهم، وحقوقًا مثل حقوقهم. كما يمكننا أن نذكر أيضا الدور الذي لعبته رواية فيكتور هيجو "اليوم الأخير لمحكوم بالإعدام"، لإقناع الفرنسيين بإلغاء عقوبة الإعدام.
وهنا يكمن الفارق عن الشاشة. ذلك أن الفيلم يُريك الوجه الذي يتوجّع فتتأثّر، أما الرواية فلا تُريك الوجه، بل تمنحك فرصة أن تنسجه بنفسك. علما بأن التعاطف الذي تنسجه بخيالك يكون أعمق من الذي يُثار فيك سمعيًّا وبصريًّا.
صحيح أن قارئ الروايات لا يصير قدّيسًا بالضرورة، لكنه يتدرّب، صفحة بعد صفحة، على الدرس الأخلاقي الأول: أن يدرك أن الآخر ذاتٌ مثله، لها خبراتها وحساسيّاتها وآلامها، وأوهامها أيضًا؛ فيحقّ لها أن ترى العالم على نحوٍ مختلف.






