سياسة واقتصاد

الصمت الرفيع بدل المشاركة في هستيريا الكلام

جيهان العبادي (إعلامية)

حين يفقد الخطاب اتزانه، وتتحوّل الساحة العامة إلى مسرحٍ لردودٍ متسرّعة، يبرز القليلون الذين يختارون الصمت الرفيع بدل المشاركة في هستيريا الكلام. في هذا المشهد المزدحم، يظلّ الدكتور سعد الدين العثماني مثالاً لنسخةٍ نادرة من المسؤولين: أولئك الذين يغادرون المنصب دون أن يغادروا أخلاقهم .. و يظلّ نموذجاً لندرةٍ سياسية لا تُصنع في الكواليس، بل في عمق التجربة الإنسانية. رجلٌ أنهى مسؤوليته كما بدأها: بقدرٍ عالٍ من الانضباط، وبإيمانٍ بأن خدمة الوطن لا تُقاس بما يُنتزع منه، بل بما يُقدَّم له.بعد سنواتٍ من العمل العام، عاد إلى مهنته الأولى، إلى المعطف الأبيض، إلى الإصغاء للإنسان قبل الإصغاء للمنصب. لم يطلب امتيازاً، ولم يضع ثقله على الدولة، ولم يجعل من خروجه من السلطة مناسبة للبحث عن مكاسب إضافية. عاد ببساطة الطبيب الذي يعرف أن الشفاء الحقيقي يبدأ من الصدق مع الذات. وما يُوجَّه إليه اليوم من تبخيسٍ متعجّل لا يمسّ جوهره، بل يكشف هشاشة خطابٍ يفضّل الاتهام على التحليل، والضوضاء على المسؤولية. فالرجل لم يختبئ خلف امتيازٍ ولا خلف ضوءٍ إعلامي، بل اختار أن يغادر المشهد السياسي بكرامةٍ هادئة، وأن يعود إلى مهنته التي لا تحتاج إلى ميكروفون كي تُثبت قيمتها. في المشهد السياسي، قليلون هم الذين يغادرون كما يغادر الكبار: بلا ضجيج، بلا ادّعاء، وبلا حاجة إلى أن يذكّروا الناس بما فعلوه. العثماني واحد من هؤلاء.