انتهينا في الحلقة السابقة إلى سؤال بدا في ظاهر الأمر موجهًا إلى الدولة: ماذا يحدث للديمقراطية عندما تتعاقب اللحظات الوطنية إلى الحد الذي تصبح معه اللحظة الديمقراطية قابلة باستمرار للتأجيل؟ لكن السؤال سرعان ما ارتد إلى الجهة الأخرى من العلاقة: إذا كانت الدولة تعيد ترتيب أولوياتها، فمن يحمل داخل المجتمع مطلب إعادة الديمقراطية إلى صدارة الأولويات؟
هنا نصل إلى الأحزاب ؛ فليس لأن الأحزاب هي الفاعل الوحيد في الديمقراطية، ولا لأنها تتحمل وحدها مسؤولية تعثرها، وإنما لأنها كانت، تاريخيًا ودستوريًا وسياسيًا، إحدى المؤسسات الأساسية التي يفترض أن تحول المجتمع من كتلة من المصالح والمطالب المتفرقة إلى إرادة سياسية منظمة؛ وأن تصل المواطن بالدولة، والاحتجاج بالاقتراح، والمطلب بالبرنامج، والاختلاف بالمؤسسة؛
ومن ثم فإن أزمة الحزب ليست شأنًا داخليًا للأحزاب وحدها. إنها، في أحد أبعادها، أزمة في البنية التي تنتج الديمقراطية نفسها.
عندما كانت الديمقراطية استراتيجية :
لم تكن «استراتيجية النضال الديمقراطي» مجرد شعار سياسي أو تقنية انتخابية. كانت تعني، في أصلها، تصورًا لطريق التغيير: بناء ميزان قوى سياسي واجتماعي، توسيع فضاءات الحرية، تقوية المؤسسات التمثيلية، تأطير المجتمع، إنتاج النخب، وربط الإصلاح السياسي بإصلاح الدولة والمجتمع ؛ فقد كانت عمليات الانتخاب ، داخل هذا التصور، وسيلة ضمن استراتيجية وليست الاستراتيجية كلها ؛ فالحزب لم يكن يسأل فقط: كم مقعدًا سنحصل عليه؟ بل كان يفترض أن يسأل أيضًا: أي مجتمع نريد؟ أي دولة؟ أي توزيع للسلطة؟ أي علاقة بين المواطن والمؤسسة؟ وأي إصلاحات تجعل الانتخابات المقبلة أكثر ديمقراطية من الانتخابات السابقة؟
[في السياق المغربي اسطع نموذج : إن بعض الأحزاب التقدمية في نهاية السبعينيات كانت تنكر اهمية المقاعد ، تحت سقف مطلب : تحرير - ديمقراطية - اشتراكية ؛ لكن بداية من منتصف الثمانينيات ستجري الرياح بما يشتهيه راديكاليو الحزب (ا ش ق ش ) سنعود إليه لاحقا ] ؛
وهنا يكمن الفارق بين حزب يدخل المؤسسات ليغير السياسة، وحزب قد ينتهي به الأمر إلى تغيير سياسته لكي يستمر داخل المؤسسات ؛ ليس هذا حكمًا عامًا على التجارب الحزبية، ولا اتهامًا للفاعلين بسوء النية؛ بل فرضية تستحق الاختبار بعد تقييم وتشخيص تشاركي .
الحزب بين الوظيفة والمؤسسة :
منذ روبرت ميخلز، نعرف أن التنظيمات لا تظل بالضرورة وفية للصورة التي تأسست بها. فقد صاغ «القانون الحديدي للأوليغارشية» ليبين كيف يمكن أن يؤدي اتساع التنظيم وتعقده إلى نشوء جهاز محترف وقيادات دائمة ومصالح تنظيمية خاصة ؛
ومع موريس دوفرجيه أصبح واضحًا أن الحزب ليس مجرد مجموعة أفكار، بل بنية تنظيمية تؤثر في طبيعة السياسة التي ينتجها ؛ أما أنجيلو بانيبيانكو فقد دفع التحليل أبعد: فمتى استقر التنظيم السياسي، يطور حاجته الخاصة إلى البقاء والاستمرار، وقد يصبح الحفاظ على المؤسسة نفسها أحد محددات سلوكها؛
وهنا تظهر مفارقة لا تخص الأحزاب وحدها، بل تكاد تكون قانونًا في سوسيولوجيا التنظيم ، ذلك أن المؤسسة تُنشأ لتحقيق غاية، ثم قد يصبح استمرار المؤسسة نفسه غاية تحتاج إلى وسائل لحمايتها ؛ وهذا لا يعني أن التنظيم قد خان مشروعه؛ وإنما يعني أن المشروع والتنظيم لم يعودا دائمًا شيئًا واحدًا.
من الحزب الوسيط إلى الحزب المحترف :
لقد تغير المجتمع أيضًا ، ولم يعد الحزب يحتكر إنتاج الخطاب السياسي، ولا تأطير الاحتجاج، ولا صناعة الرأي؛ فالمجتمع المدني، والمنصات الرقمية، والحركات الاجتماعية، والمؤثرون، والشبكات المهنية والمحلية، كلها أصبحت تنتج أشكالًا جديدة من التعبير والوساطة ؛ وفي المقابل، ازدادت الانتخابات تعقيدًا: خبرة قانونية، تمويل، تواصل، استطلاعات، مرشحون، دوائر، تحالفات، تقنيات لاستهداف الناخبين وإدارة الحملات ؛ وهكذا يمكن أن يحدث تحول تدريجي في مركز ثقل الحزب: من مؤسسة نبتت أساسًا داخل المجتمع وتدخل الدولة عبر الانتخابات، إلى مؤسسة يوجد جزء متزايد من حياتها داخل الدولة ويعود إلى المجتمع عند الانتخابات ، وإن هذه النقلة هي التي تستحق الفحص.
ماذا نقصد بـ«الوكالة الانتخابية»؟
لا نستعمل العبارة كوصم ؛ رغم أن الحقيقة الإعلامية تستغل بما يشبه ذلك بإطلاق وصم " الدكاكين السياسية " على الأحزاب الإدارية والتاريخية معا ؛ فالانتخابات وظيفة طبيعية للحزب، ولا معنى لحزب سياسي يعرض عن المنافسة على السلطة أو الحكم في نظام تعددي ، لذلك فالمشكلة ليست في أن يصبح الحزب فعالًا انتخابيًا، بل في أن تبتلع الوظيفة الانتخابية بقية وظائفه.
ويقصد بـ«الوكالة الانتخابية»، إجرائيًا، حالة يصبح فيها مركز الثقل التنظيمي للحزب متمحورًا حول انتقاء المرشحين، وتدبير الدوائر، وصناعة التحالفات، وحصد المقاعد، والتفاوض حول المواقع؛ بينما تتراجع وظائف أخرى: إنتاج المعرفة السياسية، والتكوين، والتأطير، والوساطة الاجتماعية، وصناعة النخب، والتفكير الاستراتيجي، وتجديد المشروع المجتمعي ؛ وبذلك لا يكون السؤال هل يخوض الحزب الانتخابات ، بل ماذا يفعل الحزب بين انتخابين؟ وإن هذا ربما هو الاختبار الأبسط والأكثر دلالة.
خمسة اختبارات للتمييز :
يمكن تحويل مفهوم «الوكالة الانتخابية» إلى فرضية قابلة للفحص بدل إبقائه استعارة بلاغية ، فالاختبار الأول هو الزمن ؛
فكم من حياة الحزب يجري خارج الزمن الانتخابي؟ وهل تتواصل أنشطة التكوين والتأطير وإنتاج الأفكار عندما لا تكون هناك انتخابات قريبة؟
أما الاختبار الثاني فهو الموارد ؛ أي أين تذهب أفضل الطاقات البشرية والتنظيمية والمالية ، إلى البحث والتكوين والإنصات للمجتمع، أم أساسًا إلى تدبير الترشيحات والحملات والمواقع؟
لنصل إلى الاختبار الثالث وهو إنتاج النخب !
فهل يصنع الحزب قياداته عبر مسارات التكوين والتجربة والنقاش الداخلي، أم تصبح القدرة الانتخابية وشبكات الأعيان والنخب المحلية والموارد عناصر حاسمة في إنتاج المرشح والقيادي؟
في حين يكون الاختبار الرابع.متعلقا بمدى إنتاج الأفكار ؛ أي هل يمتلك الحزب معرفة تراكمية بالمجتمع وسياسات عمومية قابلة للتقييم، أم يبدأ إنتاج البرنامج عندما يقترب موعد تقديم البرنامج أو ينسخه من نظرائه ؟
ثم الاختبار الخامس المرتبط بالعلاقة بالمجتمع: هل يحمل الحزب مطالب المجتمع إلى المؤسسة، أم يعود إلى المجتمع أساسًا لكي يطلب منه تجديد التفويض؟
عند اجتماع هذه المؤشرات لا نكون أمام حزب اختفى، بل ربما أمام حزب تغيرت وظيفته.
من الحزب الجماهيري إلى «حزب الكارتل» :
وهنا تكتسب أطروحة ريتشارد كاتز وبيتر ماير حول Cartel Party أهمية خاصة ؛ فهما يلفتان الانتباه إلى تحول تاريخي في علاقة الأحزاب بالدولة والمجتمع: كلما تراجع التجذر الاجتماعي لبعض الأحزاب، ازدادت أهمية الموارد التي توفرها المؤسسات والدولة لاستمرارها؛ ومع هذا التحول قد تصبح الأحزاب، بدرجات متفاوتة، أقل اعتمادًا على عضويتها الاجتماعية وأكثر اعتمادًا على المجال المؤسساتي الذي تتنافس داخله ؛ وهنا وجب التحذير على انه لا ينبغي إسقاط النموذج آليًا على أي تجربة وطنية؛ لكنه يطرح سؤالًا بالغ الأهمية: ماذا يحدث لاستقلال الحزب تجاه الدولة عندما يصبح وجوده المؤسساتي أكثر قوة من وجوده المجتمعي؟
هنا لا تعود المسألة مجرد أزمة تنظيم، بل تصبح أزمة وساطة.
بورديو ، عندما يحتكر المحترفون إنتاج السياسة :
يوفر بيير بورديو مدخلًا آخر ، فالحقل السياسي، مثل غيره من الحقول، يميل إلى إنتاج محترفيه وقواعده ولغته ورهاناته الخاصة ؛ ومع احتراف السياسة يمكن أن تتسع المسافة بين ما يشغل المواطنين وما يشغل الفاعلين داخل الحقل السياسي ؛
فليس لأن السياسيين لا يهتمون بالمجتمع، وإنما لأن للحقل نفسه منطقًا يفرض موضوعاته ومواعيده وحساباته ، وعندئذ قد يحدث انقلاب صامت في وظيفة التمثيل: بدل أن ينقل الممثل إلى المؤسسة ما يعتبره المواطن مشكلة، يصبح المواطن مدعوًا للاختيار بين العروض التي أنتجها الحقل السياسي سلفًا ، وهنا يصبح السؤال عن «العرض السياسي» أكثر أهمية من السؤال عن نسبة المشاركة وحدها ؛ فالعزوف لا يعني بالضرورة أن المواطن فقد اهتمامه بالسياسة؛ قد يعني أحيانًا أنه لا يجد داخل العرض الحزبي المتاح ما يحول اهتمامه إلى اختيار.
أزمة الوساطة ليست عزوفًا عن السياسة :
هذه نقطة مركزية ؛ فمن السهل تفسير انخفاض الانخراط الحزبي أو ضعف المشاركة باعتباره لامبالاة سياسية؛ لكن ماذا لو كان المواطن قد ابتعد عن الحزب دون أن يبتعد عن الشأن العام؟
نرى في مجتمعات كثيرة أشكالًا قوية من التعبير السياسي خارج التنظيم الحزبي: حملات رقمية، عرائض، حركات مطلبية، جمعيات، مبادرات محلية، مقاطعات، احتجاجات، ونقاشات عامة كثيفة ؛ وهنا يفيد ألبرت هيرشمان في ثلاثيته المعروفة: الخروج، والصوت، والولاء ؛ فعندما تضعف الثقة في المؤسسة الوسيطة، قد لا يصمت الفرد؛ قد يغادرها ثم يرفع صوته من خارجها ،وتصبح المفارقة، فقد يضعف الانخراط الحزبي في الوقت نفسه الذي يزداد فيه الطلب الاجتماعي على السياسة ، وهذه ليست أزمة مواطن فقط، بل أزمة قناة.
من تمثيل المجتمع إلى تمثيل الحزب داخل المجتمع :
تساعدنا هذه الفكرة على طرح سؤال أكثر حساسية ؛ فالحزب الديمقراطي يفترض أن يعمل في اتجاهين: ينقل المجتمع إلى الدولة، ويعيد القرار العمومي إلى المجتمع نقاشًا ومساءلة ؛ غير أنه عندما يختل التوازن قد يصبح الحزب أكثر قدرة على تمثيل المؤسسة أمام المواطنين من قدرته على تمثيل المواطنين داخل المؤسسة ، وهنا تنقلب الوساطة من وظيفة سياسية إلى وظيفة تواصلية ، ولا يعود السؤال كيف نغير القرار، بل: كيف نشرح القرار؟
ولا يعود البرنامج أداة لإنتاج السياسات بقدر ما يصبح أحيانًا وثيقة لإضفاء الانسجام على العرض الانتخابي ، وهذا التحول، إن ثبت، أخطر على الديمقراطية من مجرد ضعف التنظيم؛ لأنه يمس وظيفة الحزب باعتباره منتجًا للبديل.
الانتخابات، من وسيلة للتحول إلى معيار للوجود :
لا ينبغي مع ذلك التقليل من قيمة الانتخابات. فالاقتراع الحر والتنافسي أحد أعمدة الديمقراطية، ولا يمكن بناء شرعية تمثيلية بدونه ؛ لكن الانتخابات تستطيع أن تكون في الوقت نفسه شرطًا للديمقراطية وغير كافية لتحقيقها ، فروبرت دال جعل التنافس والمشاركة عنصرين أساسيين في التعددية الديمقراطية، لكن الديمقراطية لا تختزل في يوم الاقتراع. أما برنار مانان، في تحليله للحكومة التمثيلية، يبين كيف تحولت أنماط التمثيل تاريخيًا من البرلمانية إلى ديمقراطية الأحزاب ثم إلى ما يسميه «ديمقراطية الجمهور»، حيث تزداد أهمية الصورة والاتصال والشخصنة ؛ ومن هنا سؤالنا: ماذا يحدث عندما يصبح الحزب نفسه أكثر ارتباطًا بالمرشح والصورة والحملة من ارتباطه بالتنظيم وذاكرته والمشروع؟
قد تستمر الانتخابات وتزداد تقنياتها احترافًا، بينما تضعف السياسة التي يفترض أن تمنحها معناها.
أين ذهبت استراتيجية النضال الديمقراطي؟
هنا نعود إلى السؤال الذي افتتحنا به الحلقة ؛ إذا كانت استراتيجية النضال الديمقراطي قد قامت تاريخيًا على اعتبار المؤسسات فضاءً لتوسيع الديمقراطية، فما الذي يحدث عندما يصبح الدخول إلى المؤسسات والمحافظة على المواقع داخلها هو الأفق الأكثر حضورًا؟
إن المشكلة هنا ، ليست المشاركة في المؤسسات؛ فالانسحاب منها ليس في ذاته فضيلة ديمقراطية ، والمشكلة ليست التسوية؛ فالديمقراطية نفسها فن للتسويات المشروعة ، وبعض اليسار ، كونيا ، يخلط بين التسوية والمساومة !!!
إن المشكلة تبدأ عندما لا يعود واضحًا ما الذي تريد المشاركة المؤسساتية تغييره ؛ فالاندماج في المؤسسة يمكن أن يكون وسيلة لإصلاحها، ويمكن للمؤسسة، في المقابل، أن تعيد تشكيل الفاعل الذي دخل إليها ، وهنا ينبغي أن ننتقل من السؤال ذي البعد الأخلاقي: «هل تخلى الحزب عن مبادئه؟» إلى سؤال سوسيولوجي أكثر إنتاجية : كيف غيّرت المشاركة الطويلة في المؤسسات طبيعة الحزب ووظائفه وأولوياته؟
المسؤولية ليست حزبية وحدها :
ومع ذلك سيكون من الظلم اختزال أزمة الوساطة في الأحزاب ؛
فالدولة تؤثر في شروط المنافسة السياسية؛ والإعلام يؤثر في صناعة الصورة والاهتمام؛ وأنماط التمويل تؤثر في التنظيم؛ والتحولات الاجتماعية تغير أشكال الانتماء؛ والتكنولوجيا الرقمية تفكك الاحتكارات القديمة للمعلومة والتأطير؛ والمواطن نفسه تغيرت علاقته بالالتزام طويل المدى.
نحن، إذن، أمام تحول في النظام البيئي للديمقراطية، وليس مجرد انحراف تنظيمي ؛ ولهذا لا يفيد الحنين إلى «الحزب الجماهيري» كما كان، مثلما لا يفيد إعلان نهاية الأحزاب ؛ فالسؤال الأهم هو: أي حزب تحتاجه الديمقراطية الجديدة؟
من استعادة الحزب إلى استعادة الوظيفة :
ربما لا تكون المهمة هي إعادة الأحزاب إلى شكلها القديم، بل إعادة بناء وظائفها في شروط جديدة : حزب يستطيع الإنصات قبل أن يقترح ، وحزب ينتج المعرفة بين اقتراعين ، و حزب يجعل التكوين طريقًا إلى القيادة ، فحزب يحول المطالب الاجتماعية إلى سياسات عمومية قابلة للتطبيق ، ثم حزب يمارس الديمقراطية داخله حتى يكون قادرًا على المطالبة بها خارجه ، وحزب لا يقيس نجاحه فقط بعدد المقاعد التي ربحها، وإنما أيضًا بمقدار السياسة التي أعادها إلى المجتمع والثقة التي أعادها إلى المؤسسة ، لأن المطلوب ليس حزبًا أقل انتخابية، بل حزبًا أكثر سياسية.
من أزمة "الحامل للمشروع " إلى سؤال الاستكمال :
تلتقي هنا الحلقتان الثانية والثالثة ، ففي الثانية وجدنا أن الديمقراطية قد تتأخر عندما تتقدم عليها، باستمرار، ضرورات العقل الدولتي ، وفي الثالثة نجد أن الديمقراطية قد تتعثر أيضًا عندما يضعف الحامل الذي يفترض أن يعيدها إلى جدول الأولويات ؛ وهكذا تصبح أزمة الخيار الديمقراطي نتيجة محتملة للقاء حركتين: دولة تعيد ترتيب الأولويات، وأحزاب تعيد ترتيب الوظائف ؛ غير ان هذه النتيجة لا ينبغي أن تقود إلى التشاؤم، بل إلى تغيير السؤال ؛ فربما لم نعد بحاجة إلى إعادة إنتاج ملامح استراتيجية النضال الديمقراطي بالشروط والمفاهيم نفسها التي نشأت فيها تاريخيًا؛ بل إلى بناء استراتيجية للاستكمال الديمقراطي تحدد بدقة ما تحقق، وما لم يتحقق، ومن يملك سلطة استكماله، وكيف يمكن قياس التقدم فيه.
وإن هذا هو موضوع الحلقة الرابعة والأخيرة ؛ لكن قبل الانتقال إليها، يبقى السؤال الذي تضعه أزمة الوساطة أمام الأحزاب والمجتمع معًا: إذا كانت الانتخابات هي اللحظة التي يطلب فيها الحزب من المواطن أن يمنحه صوته، فماذا يمنح الحزب للمواطن بين استحقاقين حتى يظل لهذا الصوت معنى سياسي؟
وربما كان السؤال الأعمق: كيف نستعيد الحزب لا بوصفه مجرد آلة للفوز بالانتخابات، بل مؤسسة لإنتاج الديمقراطية نفسها؟
إحالات فكرية للحلقة :
تتحاور هذه الحلقة أساسًا مع روبرت ميخلز في الأوليغارشية التنظيمية؛ موريس دوفرجيه في بنية الأحزاب؛ أنجيلو بانيبيانكو في التنظيم والسلطة؛ ريتشارد كاتز وبيتر ماير في أطروحة «حزب الكارتل»؛ بيير بورديو في الحقل السياسي واحتراف التمثيل؛ برنار مانان في تحولات الحكومة التمثيلية؛ وألبرت هيرشمان في الخروج والصوت والولاء ؛ ولا تستعمل الحلقة مفهوم «الوكالة الانتخابية» باعتباره تصنيفًا علميًا جاهزًا أو وصفًا شاملًا للأحزاب، وإنما بوصفه مفهومًا إجرائيًا مقترحًا يمكن اختباره من خلال مؤشرات الزمن الحزبي، وتوزيع الموارد، وإنتاج النخب، وإنتاج المعرفة، وطبيعة العلاقة بالمجتمع.
الحلقة القادمة :
من الانتقال الديمقراطي إلى الاستكمال الديمقراطي
كيف تصبح الديمقراطية نفسها قضية وطنية؟






