وراء ملف الجنسية حياة كاملة، لا مجرد وثائق. قد يكون صاحبه حفيد منفي احتفظ باسم قرية لم يرها، أو ابن امرأة فقدت جنسيتها بسبب زواجها، أو شخصا يحمل أوراقا تركتها إدارة استعمارية ثم انسحبت. هؤلاء لا يختارون التعقيدات التي ورثوها. لكنهم يدفعون ثمنها كلما اختلف السياسيون حول معنى الانتماء. وحين تعالج دولة آثار الماضي، فإن صدقية مسعاها تقاس بما تمنحه من استقرار قانوني، وبقدرتها على حماية المستفيدين من تبدل المزاج الحزبي.
فتح قانون الذاكرة الديمقراطية لسنة 2022 مسالك للجنسية أمام فئات من أبناء الإسبان وأحفادهم، ضمن معالجة إرث المنفى والتمييز وانقطاع الروابط القانونية عبر الأجيال. وهو أوسع من الصورة المختزلة في حفيد يبحث عن جواز أوروبي؛ إذ يشمل أوضاعا عائلية مختلفة، بينها أبناء نساء فقدن الجنسية بالزواج من أجانب. لذلك فإن تقديمه باعتباره اختراعا انتخابيا لبيدرو سانشيز يتجاهل أصل القضية، ويستبدل النقاش حول شروط تطبيق القانون بمحاكمة نيات المستفيدين منه.
المحكمة العليا علقت احترازيا آثارا انتخابية لتسجيل مستفيدين في سجل الناخبين المقيمين بالخارج، عقب طعنين من فوكس و«يوستيتيا أوروبا». وتشير التغطيات إلى استثناء من يثبتون تعرض أسلافهم للنفي، مما يجعل تعميم المنع على الجميع غير دقيق. كما أن القرار لا يلغي الجنسيات الممنوحة. وهذه هي المفارقة التي تستحق المناقشة: استمرار الاعتراف بالمواطن، مع تعطيل مشاركته الانتخابية بسبب نزاع حول الطريق الإداري الذي سلكه للاعتراف به.
من المشروع مراقبة سلامة التسجيلات، والتحقق من أن التعليمات الإدارية تحترم القانون. لكن زيادة عدد الناخبين لا تثبت وحدها وجود تلاعب؛ فقد تعني ببساطة أن القانون ينتج آثاره. وعلى من يدافع عن التعليق أن يوضح لماذا لا تكفي إجراءات أضيق تستهدف المخالفات المحددة. فالانتخابات التي تفوت مواطنا لا تعاد إليه إذا أنصفه القضاء لاحقا. لهذا يستحق الاعتراض على تناسب التدبير اهتماما جديا، بعيدا عن تصوير كل نقد للحكم اعتداء على استقلال القضاء.
في هذه المساحة، اختار الحزب الشعبي وفوكس لغة «تصنيع الناخبين» والاشتباه في مقاصد الحكومة. والمشكلة أن هذا الخطاب يفترض معرفة ما سيختاره مواطنون لم يصوتوا بعد. حفيد المنفي قد يصوت للاشتراكيين أو لخصومهم، وقد يمتنع. لا يوقع المستفيد من الجنسية عقد ولاء للحزب الذي أقر القانون. تحويله إلى صوت اشتراكي مفترض، ثم الاعتراض على مشاركته بهذا المنطق، يكشف فقرا ديمقراطيا: قبول المواطن يقترب من أن يصبح مشروطا بالتوقعات بشأن اختياره.
وفي الجهة الأخرى من النقاش، أقر مجلس النواب الإسباني نصا يفتح طريقا استثنائيا للجنسية أمام صحراويين ولدوا تحت الإدارة الإسبانية. حاز النص 168 صوتا، مقابل 31 معارضا و145 ممتنعا، مع امتناع الحزب الشعبي ومعارضة فوكس. وهذه نقطة لا يجوز طمسها لإنتاج اتهام مريح بالنفاق: الحزبان لم يقودا إقرار المشروع. النقد المغربي يحتاج إلى معرفة المواقع الفعلية للفاعلين، لأن الخطأ في توزيع المسؤوليات يضعف الحجة قبل أن يبدأ النقاش.
بحسب النص المعروض، يتعلق المسار بأشخاص ولدوا في »الإقليم« تحت الإدارة الإسبانية قبل 29 سبتمبر 1977، ويتيح استفادة أبنائهم وفق الشروط المقررة. ويستند إلى التجنيس لظروف استثنائية، دون اشتراط إقامة سابقة في إسبانيا. غير أن إقرار مجلس النواب لا يعني اكتمال التشريع ونفاذه؛ إذ يبقى المسار البرلماني اللاحق ضروريا. وهذه التفاصيل جوهرية: نحن أمام ترتيب قيد الاستكمال، لا أمام توزيع فوري للجنسية على جميع «الصحراويين»، ولا أمام اعتراف تلقائي بكل مطالبة تقدم باسمهم.
للملف أساس إنساني يستحق الإنصات. إسبانيا أدارت السكان وأصدرت لهم وثائق، ثم ترك انسحابها أسئلة قانونية وعائلية معلقة. ومن الطبيعي أن يطالب أشخاص بتسوية أوضاع ترتبط بتلك المرحلة. لكن الاعتراف بمسؤولية استعمارية ينبغي أن يحمل مدريد على معالجة آثارها، لا أن يمنحها سلطة رمزية متجددة على «الإقليم». ومن منظور مغربي، يبدأ الاعتراض حين ينتقل الحديث من إصلاح وضع فردي إلى الإيحاء بأن الماضي الاستعماري يخول إسبانيا إعادة تعريف الأرض وأهلها سياسيا.
يمكن أن يصبح جواز السفر موضوع دعاية تتجاوز حقوق حامله. فقد تسعى عصابة البوليساريو إلى تقديم التجنيس باعتباره اعترافا سياسيا بمشروعه، أو يستخدمه خصوم التقارب مع الرباط لإرباك العلاقة بين البلدين. هذا احتمال يستوجب اليقظة، وليس واقعة تثبت بمجرد التصويت. والجنسية الإسبانية الممنوحة لفرد لا تحسم السيادة على مكان ميلاده. لذلك ينبغي مواجهة أي توظيف انفصالي بالحجة القانونية والدبلوماسية، دون تحميل طالب الجنسية مسؤولية الرسائل التي يريد الآخرون استخراجها من ملفه.
هنا يختبر الموقف المغربي انسجامه. إذا رفضنا الاشتباه الجماعي في الأحفاد، فلا يصح أن نعامل كل «صحراوي» يطلب الجنسية باعتباره أداة لعصابة البوليساريو. الوثائق تفحص، والانتحال يعاقب عليه عند ثبوته، والانتماء السياسي لا يستنتج من طلب إداري. الدفاع عن مغربية الصحراء لا يحتاج إلى خصومة مع حقوق أبنائها؛ بل يقوى حين يميز بينهم وبين من يتحدث باسمهم لتغذية الانفصال. هذه الدقة تحرم الخصوم من استغلال مخاوف الناس، وتمنح الخطاب المغربي أساسا أخلاقيا يصعب النيل منه.
منذ الإعلان المشترك لسنة 2022، اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا أكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع. لا يكفي مشروع الجنسية وحده لإعلان سقوط ذلك التوجه، لكنه يفرض وضوحا في الخطاب والتطبيق. على الحكومة الإسبانية أن تبين أن معالجة آثار إدارتها السابقة لا تنشئ وصاية جديدة ولا تغير التزاماتها. وعلى الرباط أن تتابع الصياغات وآليات التنفيذ، وأن تواجه ما يمس مصالحها بأدوات دقيقة، بعيدا عن التسليم بالطمأنة أو التسرع في إعلان القطيعة.
أما اليمين الإسباني الذي يجعل المغرب مادة للضغط على سانشيز، فينبغي أن يواجه بسؤال المسؤولية: ماذا يبقى من خطاب حماية المصالح الوطنية حين تصبح العلاقة مع جار أساسي رهينة المنافسة الحزبية؟ من حقه معارضة الحكومة، لكن تحويل كل تفاهم مع الرباط إلى شبهة تنازل يغذي عداء لا يتوقف أثره عند المنابر. وفي المقابل، لا يعفي خلافنا معه قوى اليسار من المساءلة عندما تتساهل مع أطروحات انفصالية أو تمنحها غطاء إنسانيا. معيار المغرب هو الموقف من مصالحه، لا لون الحزب.
تختلف قضيتا الأحفاد و«الصحراويين»، وتلتقيان في ضرورة تحرير الجنسية من الاستخدام السياسي الذي يسلب أصحابها استقلالهم. يمكن لإسبانيا إنصاف متضررين من تاريخها، وحماية سلامة انتخاباتها، واحترام شراكتها مع المغرب، إذا التزمت قواعد واضحة وحقوقا متساوية ومسؤوليات محددة. ويمكن للمغرب الدفاع بحزم عن وحدته الترابية مع رفض الوصم الجماعي. عند هذا الحد يصبح الإنصاف ممكنا: أحفاد لا يطالبون بإثبات حسن تصويتهم، و«صحراويون» لا تختزل حياتهم في نزاع، وعلاقات بين دولتين تحكمها الالتزامات، لا مواسم المزايدة.






