سياسة واقتصاد

ماذا تريد إسبانيا ؟ وماذا إسبانيا تريد؟

إبراهيم إغلان (كاتب)

لا زالت تداعيات أزمة سبتة تثير الرأي العام الاسباني، حكومة وأحزابا وشعبا، بل امتد الأمر إلى كرة القدم الاسبانية والتي يتابع بطولتها الملايين من الجمهور عبر العالم. ما الذي تريده اسبانيا من كل هذا الحشد والتجييش على مختلف الواجهات، الإعلامية والسياسية والرياضية والاجتماعية والثقافية وغيرها..؟ أليس من حقنا التساؤل عن هذه المواقف العدائية اتجاه المغرب، بشكل مستفز وواضح، بغض النظر عن أسباب ومسببات الأزمة التي تركت جروحا في العلاقات وعمقت سوء الذهنيات والعقليات الاسبانية إزاء بلد احتلت أراضيه، إلى جانب النظرة الفوقية والتصور الاستعماري الذي لا زال يسكن تلك العقليات البائدة.

اسبانيا: ذاكرة المفارقات

يبدو من خلال متابعة دقيقة للقنوات التلفزية الاسبانية وللخطابات الرسمية ولمواقف الأحزاب وللشعارات التي رفعها المتظاهرون في مختلف المدن، أنها تكاد تتفق على أن المغرب بلد خارج التاريخ والحضارة، وأنه بلد الدكتاتورية والإسلام، وأنه بلد لا يؤتمن فيه، وأنه بلد التخلف بامتياز، وانه بلد لا يليق بالغرب التعامل معه، إلى آخره من التوصيفات التي تنم عن جهل بالتاريخ، وعداء مجاني، ورؤية استعمارية، وموقف وقح، وشعور استعلائي، وخطاب رديء..

لماذا اختارت اسبانيا، هذه المرة، مواجهة المغرب بمثل هذه السياسة الفجة؟ إلى درجة الاشمئزاز والانحطاط في اللغة والأسلوب والفعل. لا شك أن الذاكرة الاسبانية مليئة بالثقوب والتمثلات التي تستحضر المغرب في البؤس والفقر والخيانة والهمجية، وهي بالتالي باتت محركا لردود الفعل الهوجاء، كحرق العلم المغربي وشتم ملك البلاد واتهام المغاربة بالغزو، وهي ردود فعل، وإن اتخذت اشكالا مختلفة في الخطاب، فهي متجانسة على المستوى السياسي والحزبي والإعلامي والشعبي، إلا ما رحم ربك..

ويزداد الوضع تأزما حين استحضار التاريخ وتأويل أحداثه، وكأن قدر اسبانيا مرتبط أشد الارتباط بعدو متأهب ينتظر الفرصة للانقضاض على الآخر المتفوق حضارة وفكرا. بهذا المعنى يصبح المغرب العدو التاريخي والمنتظر في نفس الآن. هكذا يعكس الخطاب الاسباني العام اليوم قدرة ذاكرة مشحونة بالتأويلات المسبقة والساذجة، و في الوقت ذاته ذاكرة ملتبسة في قراءة الحداث والوقائع التي أكل عليها الدهر وشرب..

"مارويكوس" هي البلاد التي لا تفكر بغير منطق الغزو والتوحش، إنها تدفع بشبابها ورجالها وبناتها نحو مغامرة الهجرة اللا شرعية، وبالتالي فهي البلاد التي لا يمكن مواجهتها إلا باستحضار تلك الذاكرة السوداء التي لا تحتفظ إلا بما قد يعزز ويرسخ من النظرة الغربية الاستعمارية اتجاه مستعمراتها التي نهبت خيراتها وتدافع عنها باسم الديموقراطية وحقوق الانسان، إنها المفارقة التي يتغدى بها اليوم الاعلاميون والسياسيون في اسبانيا، الدولة الاستعمارية ذات التاريخ الاستعماري المعروف.

اسبانيا: لعنة التأويلات

تبعا لتداعيات أزمة سبتة، وخلال كل اللحظات التي تتأزم فيها العلاقات المغربية الاسبانية، تنمو الأفكار المتطرفة وتبرز المواقف الراديكالية والمتشنجة، وهي في الواقع كانت دوما حاضرة، لكن بشكل محتشم، وتظهر على الوجود كلما استفاقت تلك التأويلات الممنهجة لاستبعاد المغرب من كل حوار وتواصل من شأنهما الدفع بالعلاقات بين البلدين نحو الوضوح والصراحة.

لا يمكن نسيان دور بعض الأحزاب والمنظمات والجمعيات الاسبانية في دعمها للبوليزاريو ضدا في وحدة المغرب الترابية، كما لا يمكن تجاهل دور الاعلام الاسباني في تكريس الرؤية النمطية اتجاه المغرب حتى في لحظات الانفراج السياسي بين البلدين، وهي الرسالة التي ما فتئت الصحافة الاسبانية تدافع عنها للمس بمقدسات المغرب وطموحه الاقتصادي ونجاحه الدبلوماسي في نسج علاقات تعاون مع دول أخرى. 

 لذلك، فالمغرب دوما ظل موضوعا للإعلام والمجتمع المدني في اسبانيا، البلد الذي، بغض النظر عن من يحكمها ويدبر شؤونها الداخلية والخارجية، تنتعش تأويلاتها، بوعي تام وعن قصد، لمحاصرة المغرب باختلاق واجهات متعددة، منها الهجرة و حقوق الانسان والخوف من تسليح المغرب وحضوره الاقتصادي داخل القارة الافريقية. 

طيلة أربعين يوما من انطلاق أزمة سبتة، لم تهدأ التأويلات داخل مؤسسات رسمية وغير رسمية : القصر الملكي برمزيته، البرلمان بجدل أحزابه وشرعيته، الكنيسة بطبيعتها الدينية، القضاء بعدالته، ملاعب كرة القدم بفرجتها، التلفزيون بأخباره وبرامجه السياسية، الصحافة المكتوبة بكتابها المهووسين بعقدة المغرب، الشارع بشعاراته الفجة...هنا، يلتئم الجميع للدفاع والهجوم على ذاكرة المغرب ورموزه وتاريخه وأرضه وثقافته ورهانه المستقبلي، كل بطريقته وأسلوبه ومصلحته وموقعه الأيديولوجي. 

يعلمنا السؤال المنهجي، أن نتدبر وندبر الأزمات بالتشخيص والتحليل، وبعدها يأتي التأويل باعتباره خطوة منهجية في فهم ما جري و ما يجري، لكن اسبانيا التي تطالب اليوم بتحرير الشعوب، هي نفسها من تعزز موقعها كدولة استعمارية عريقة ولا زالت..

بل أحيانا، تجعل المتأمل في هذا المشهد الاسباني وكأنه إزاء حلبة كرنفالية لصراع الثيران: مصارع يتفنن في قتل الضحية، و جمهور يتلذذ بدماء الضحية، وإعلام ينقل الحدث بفرح وخوف، هكذا تقاس مهارة الماتادور بقدرته على مد مرحلة مراوغة الثور، وإثارة غضبه لأطول فترة ممكنة، وإبراز فنياته بالتحكم على ضحيته، والسيطرة عليه، قبل الضربة القاتلة.

ألم تدخل مصارعة الثيران، هي الأخرى، حلبة الصراع السياسي في إسبانيا ؟ حيث انقسم الشارع بشكل واضح إلى قسمين: الأحزاب اليمينية المناصرة لمصارعة الثيران، والأحزاب اليسارية المطالبة بإلغائها.

اسبانيا اليوم، وإن اختلف اليمين فيها، بزعامة " الحزب الشعبي" و " حزب فوكس"، عن اليسار بزعامة " الحزب الاشتراكي" و " حزب بوديموس"، فالفريق الأول يعتبر مصارعة الثيران جزءا رئيسا من التراث الاسباني الذي يحميه القانون؛ بينما الفريق الثاني يعارض اللعبة، ويعتقد أن وحشيتها لا مكان لها في إسبانيا الحديثة، أما الإنفصاليون الكاتالونيون ، فيعارضون مصارعة الثيرانن ومعها اسبانيا ذاتها.

هكذا يختلف الاسبان "الصبنيول" عن لعبة القتل والعنف، بين اعتبارها جزءا من الذاكرة، وبين الدفاع عن حقوق الحيوان، وهكذا يتفق الجميع على قتل المغرب رمزيا و تعنيفه بخطاب سياسي وعسكري وديني واجتماعي وثقافي، أجمع الحكماء على وضاعته وسطحيته وبؤسه. إنه منطق التأويلات المسبقة والموروثة والمفارقة.

اسبانيا: تكريس الكليشهات

إن قراءة سريعة لمختلف أشكال التعبير في اسبانيا ، سياسيا واجتماعيا واعلاميا، التي أنتجها خطاب ما بعد أزمة سبتة، تؤكد تلك الرغبة الملحة لاستنبات كليشيهات مبتذلة عن المغرب والمغاربة على حد سواء، إلى درجة تحولها إلى قوالب نمطية، حيث باتت أفكارا رائجة في المجتمع الاسباني، تعززها مواقف وردود فعل مؤسسات، يفترض فيها التواصل الهادف أو الدقيق. إنه" تصور براغماتي في مواجهة مُتخيَّل استبعادي" بتعبير نورالدين أفاية. 

كيف يتم استثمار القوالب النمطية الجاهزة حول المغرب؟ 

لماذا يرتهن الاسبان إلى هذه القوالب كلما اشتدت الأزمة أو انفرجت..؟ ولماذا يكاد يتفق الاسبان على هندسة و نشر و"صناعة" مثل هذه الكليشيهات في حالة المغرب وحده لا غير ؟ ويمكن أن تتناسل الأسئلة إلى ما لا نهاية...

الواقع أن المغرب، الذي كان ولا يزال موضوعا للجدل والسجال والصراع في اسبانيا، عقدة أزلية في ظل العلاقات بين البلدين، حيث يتداخل السياسي بالديني، التاريخي بالجغرافي، الواقعي بالمتخيل، السيكولوجي بالثقافي، هكذا يواجه الاسباني المغربي بكمية كليشيهات قادمة من ذاكرة ملتبسة، مصدرها الخوف من الآخر "المتوحش"، ومبعثها التفوق والتعالي، إنها جدلية مستوطنة في التمثلات والذهنيات، غير معنية بالحوار والتواصل والتحليل. ولأنها قراءة مريحة للآخر)المغرب(، فهي تستحضر بؤسه وتأخره ونظامه "العتيق" وغيابه عن الديموقراطية وحقوق الانسان، وبالتالي فهذه القراءة لا ترغب حتى في من يصحح لها أخطاءها التي أكل عليها الدهر وشرب، بل تذهب أبعد من ذلك، حين تلجأ هذه الكليشيهات إلى تبرير استعمار سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، باعتبارها أراضي إسبانية بالتاريخ والقوة، فيصبح المغربي العدو ضد الصديق، والمتخلف ضد المتقدم، والدكتاتوري ضد الديموقراطي، والخائن ضد الأمين، والقروسطي ضد الحداثي، والدموي ضد المتمدن...

إنها ثنائيات تشتغل وتشغل تمثلات الاسباني عن المغربي، بكثير من الجهل والحذر والخوف، وبقليل 

من الحكمة والفهم العميق للعلاقات الثنائية في أفق حل سياسي واقتصادي واستراتيجي.

ستظل فئة عريضة من المجتمع الاسباني قاصرة في فهم المغرب، بالرغم من العلاقات الاقتصادية

والثقافية بين البلدين، مادام المغرب عقيدة في التفكير الاسباني، بخاصة داخل الدولة العميقة التي تحن إلى اسبانيا الاستعمارية، والتي ترى الى المغرب بلدا مزعجا وقادرا على العودة إلى مصاف الدول الصاعدة، وهي مبررات تاريخية ومستقبلية تجعل اسبانيا رهينة خوف أزلي من جار يعتبر سبتة ومليلية والجزر الجعفرية جزءا لا يتجزأ من أراضيه، وهو مطلب وجودي ووطني.