وهذا اختزال متعمد للقضية، وإهانة لذكائنا ومساراتنا، ومحاولة مكشوفة للهروب من الأسئلة الحقيقية التي طرحناها.
نحن لم نتحدث لأن تزكية ضاعت منا، ولم نغضب لأن مقعدا لم يمنح لنا، ولم ننتمي إلى الاتحاد الاشتراكي بحثا عن فرصة انتخابية عابرة.
فالانتماء ليس لحظة موسمية، ولا صدفة انتخابية، ولا بطاقة عبور نحو البرلمان. الانتماء موقف فكري وأخلاقي وسياسي، وتعاقد مع مرجعية وقيم وتاريخ.
ومن حق كل اتحادية واتحادي أن يطمح إلى تحمل المسؤولية، فالطموح السياسي ليس تهمة، والحلم ليس جريمة، ولا يملك أي مسؤول، مهما علا موقعه داخل التنظيم، حق مصادرة طموحات الآخرين أو السخرية منها. لكن قضيتنا تتجاوز الطموح الفردي، لأنها تتعلق بمشروع حزب كامل، وبمستقبل مؤسسة سياسية يفترض أنها تحمل مشروعا ديمقراطيا وتقدميا واشتراكيا.
الاتحاد الاشتراكي لا يتجسد فقط في مقره بالعرعار، ولا في الكاتب الأول، ولا في دائرة ضيقة تحيط به، ولا في أجهزة ومساطر قد تفرغ من مضمونها.
الحزب يتجسد، قبل ذلك كله، في موارده البشرية، في نسائه ورجاله، وفي كفاءاته، ومناضلاته ومناضليه، وفي الأشخاص القادرين على حمل مرجعيته والدفاع عن أفكاره وتحويلها إلى ممارسة سياسية حقيقية.
فالبرلمان ليس مقعدا للوجاهة، والترشيح ليس مكافأة، والتزكية ليست هدية يمنحها المسؤول لمن يشاء. المؤسسات التمثيلية تحتاج إلى الكفاءة، وإلى القدرة على التشريع والمراقبة والترافع، وإلى نساء ورجال يستطيعون الدفاع عن برنامج الحزب، سواء تحول إلى برنامج حكومي حين يشارك الاتحاد في تدبير الشأن العام، أو إلى برنامج معارضة عندما يختار الحزب موقع المعارضة.
هذه مسؤوليات تتطلب معرفة ومهارة وخبرة ومصداقية، ولا تختزل في سؤال واحد: من يستطيع تمويل حملته أكثر؟
ليس من حق أي مسؤول أن يتصرف وكأن الاتحاد أصبح عقيما، أو كأنه يفتقر إلى الكفاءات، فيفتح أبوابه، عشية الاستحقاقات، لاستقطابات تحكمها القدرة المالية، بينما يضع مناضلاته ومناضليه في موقع المتفرج أو ورقة الضغط أو «أرنب السباق» من أجل رفع قيمة العرض.
قضيتنا ليست صراعا على التزكيات
كفى تلاعبا بالكلمات.
الأمر ليس صراعا بين غاضبات وقيادة رفضت منحهن التزكية. إنه صراع بين تصورين للحزب:
تصور يعتبر الاتحاد مؤسسة سياسية ذات مرجعية وقيم وذاكرة نضالية، وتصور يتعامل معه كآلة انتخابية لا يهمها إلا عدد المقاعد، مهما كان الثمن ومهما كانت الوسائل.
نحن لم نحتج على حق الحزب في اختيار مرشحيه، وإنما على مسارات غريبة ودخيلة لا تليق بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
احتججنا على منطق يشبه الصفقة العمومية.
احتججنا على المزايدة بالمال.
احتججنا على تحويل المناضلات والمناضلين إلى أوراق تفاوض ووسائل ضغط.
احتججنا على اختزال تقييم المرشحين في قدرتهم على تمويل الحملات داخل الدوائر المحلية.
واحتججنا على آليات يراد إلباسها ثوب الشرعية التنظيمية، رغم أنها، بحسب ما عايناه، تطرح أسئلة جدية حول الشفافية وتكافؤ الفرص ونزاهة الاختيار.
ذلك هو جوهر القضية. وكل محاولة لردها إلى غضب نسائي بسبب ضياع التزكية ليست سوى طريقة لإخفاء أصل المشكل، وتبخيس احتجاج النساء، وتحويل موقف سياسي وأخلاقي إلى انفعال شخصي.
نحن لا نحتاج إلى تزكية لنثبت وجودنا
الكثير من النساء اللائي تكلمن واحتججن لا يحتجن إلى تزكية حزبية لإثبات وجودهن داخل المجتمع. لهن مساراتهن المهنية، ومكانتهن، ونجاحاتهن، وقدرتهن على التأثير والعمل خارج أسوار مقر العرعار.
لكننا رفضنا أن نكون شاهدات صامتات على سلوكيات نعتبرها منافية لأخلاق العمل السياسي.
فالصمت أمام ما نراه اختلالا ليس انضباطا، بل تواطؤ، أو مشاركة في سلوكيات مهينة للحزب ولتاريخه، وهو ما لم نقبله...
والخروج بصمت سلبي، وكأن شيئا لم يقع، لا يثبت الانتماء، بل يكشف أن الانتماء لم يكن قائما على القيم أصلا.
لقد تكلمنا لأننا ننتمي إلى الحزب، لا لأننا نحاربه. وغضبنا لأننا نريده أفضل، لا لأننا نريد هدمه، علما ان الذي يجب أن يحاسب هو من سمح بالتجاوز المعيب للمرجعية الحزبية، وليس من احتج وانتفض ضد سلوكيات لا أخلاقية.
نحترم من بقي داخله محاولا تصحيح المسار، ونحترم كذلك من غادره غاضبا بعدما استنفد الأمل في الإصلاح. أما تأخر بعضنا في إعلان موقفه، فلم يكن اختلافا مع من سبقونا إلى الاحتجاج، بل كان أملا في أن يأتي التصحيح من الداخل.
ربما أخطأنا التقدير. وربما انتظرنا أكثر مما ينبغي. لكننا لن نخطئ مرة أخرى بالصمت، بقبول الخروقات، وبالتطبع مع ما يعارض القيم المشتركة.
فالمال الذي حاربناه خارج الحزب لا يجوز أن يصبح معيارا داخله، ولا أن يكون المال مقابل السلطة بتزكية يقال عنها مضمونة.
لطالما اعتبر الاتحاد الاشتراكي المال الانتخابي أحد أخطر أسباب إفساد الحياة السياسية. فكيف نقبل اليوم بأن يصبح المال، أو القدرة على تعبئته، عنصرا حاسما في اختيار مرشحي الحزب؟
كيف نستنكر استعمال المال في الانتخابات، ثم نتسامح معه عندما يصبح معيارا داخليا للتزكية؟
لن أوزع أحكاما جاهزة بالفساد، لكنني أقول بوضوح: حين تصبح القدرة المالية أساسا معلنا أو ضمنيا للترشيح، فنحن أمام سلوك تحيط به شبهة الفساد السياسي، ويستوجب التحقيق والمساءلة، لا التبرير والتطبيع.
ومن يرفض النظر إلى هذه الحقيقة، أو يحاول تغطيتها بشعارات الانضباط والوحدة، لا يدافع عن الاتحاد، بل يطبع مع ما يناقض قيمه.
إن المال الذي كنا نعتبره مفسدا للعملية الانتخابية لا يجوز أن يدخل بيت الاتحاد ويجلس في صدره، ثم نجد من يصفق له ويدافع عنه وكأنه أصبح فضيلة سياسية.
إذا أصبح الهدف الوحيد هو الفوز بالمقاعد، ولو على حساب المرجعية والكفاءة والنزاهة، فما الذي بقي من المشروع الاتحادي؟
وإذا تحولت السياسة إلى سباق بين القادرين على التمويل، فأين الاشتراكية؟ وأين العدالة؟ وأين تكافؤ الفرص؟ وأين الانتصار للفئات التي لا تملك الثروة والنفوذ؟
الاشتراكية نقيض للطبقية، ونقيض للتمييز على أساس الموقع الاجتماعي والقدرة المالية. وحين يمنح المال امتيازا سياسيا داخل حزب اشتراكي، فإن الأمر لا يعود مجرد خلل في التدبير، بل يصبح تناقضا وجوديا بين الاسم والممارسة، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، بين الواقع والقانون.
من هم الانتهازيون حقا؟
قرأت من يصفنا بالانتهازيات والوصوليات، ويتهمنا بخوض معركة شخصية من أجل التزكيات.
لهؤلاء أقول: راجعوا معنى الانتهازية قبل توزيع الاتهامات.
الانتهازية الحقيقية ليست أن تقولي «لا» حين يصبح الصمت مربحا،
الانتهازية هي أن ترى الخطأ وتصمت حفاظا على موقعك.
أن تدرك خطورة السلوك وتبرره تقربا من القيادة.
أن تحول الولاء للأشخاص إلى انضباط حزبي.
أن تصفق لما كنت ترفضه بالأمس لأن مصالحك أصبحت مرتبطة باستمراره اليوم.
وأن تدافع عن الممارسات لا اقتناعا بمشروعيتها، بل خوفا على امتياز أو طمعا في موقع أو انتظارا لتزكية.
أما نحن، فقد اخترنا الطريق الأصعب: أن نتكلم، وأن نتحمل التشهير والتبخيس والاتهامات، وأن نقول إن الحزب أكبر من قيادته، وإن قيمه أسمى من مصالح أفراده، وإن تاريخه لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لتبرير الحاضر.
الأشخاص ليسوا مقدسين
الكاتب الأول ليس مقدسا.
والقيادة ليست مقدسة.
وأي دائرة ضيقة تشتغل إلى جانب الكاتب الأول ليست فوق النقد أو المساءلة.
هذه ليست إساءة إلى الأشخاص، بل قاعدة أولية في العمل الديمقراطي، كل من يمارس السلطة يجب أن يخضع للمساءلة، وكل قرار يجب أن يكون قابلا للنقد، وكل ممارسة يجب أن تحتكم إلى القانون والمؤسسات.
لا يمكن تمرير القرارات ثم إلباسها قسرا لبوس الشرعية والمشروعية، ولا يجوز استعمال المؤسسات لمنح غطاء شكلي لاختيارات صنعتها إرادة ضيقة.
ومن يخلط بين احترام الحزب وتقديس قيادته، لا يفهم معنى الانتماء السياسي. فالمناضل الاتحادي لم يكن، ولن يكون، في أي وقت، موردا في زاوية يقدم الطاعة والولاء، بل كان وسيظل صوتا نقديا يدافع عن الحرية والعدالة والكرامة، حتى عندما يكون ثمن ذلك باهظا ومكلفا.
نحن ندافع عن الاتحاد، لا عن الأخ الكاتب الأول.
نعم، ندافع عن المرجعية، لا عن الأشخاص.
أكيد، ندافع عن المؤسسات، لا عن التحكم فيها.
وبالطبع، ندافع عن الديمقراطية، لا عن شرعية شكلية تستعمل لتغطية قرارات مغلقة وجائرة ومهينة وريعية وتمييزية وحاطة من قيمة الجميع.
كما أنه ومن المخجل أن يجري تبخيس احتجاج النساء وتحويله إلى غضب عاطفي بسبب عدم الحصول على التزكية.
فهذه صورة أخرى من صور العنف السياسي، بدل مناقشة ما تقوله النساء، تفحص نياتهن، وبدل الرد على حججهن، يجري التشكيك في طموحهن، وبدل مساءلة السلوكيات التي فضحنها، تقدمن باعتبارهن غاضبات أو متمردات أو غير منضبطات، بل قد يقال لهن أن الطاعة جزء لا يتجزأ من أنوثتكن، وأن خروجكن من المطابخ كان خطأ تاريخيا، وأن أجمل صوركن كانت في تأثيت المنصات والمشاهد التي تسوق للحداثة والتقدمية شكلا وليس موضوعا.
ومما لا جدال فيه، هو أننا لن نقبل بهذا التبخيس.
ولن نسمح بتحويل النساء إلى مجرد ديكور انتخابي عند الحاجة، ثم اتهامهن بالانتهازية عندما يطالبن بحقهن في القرار والمساءلة.
وإذا كان البعض يعتقد أن اتهامنا بالطمع في التزكية سيخيفنا أو يدفعنا إلى التراجع، فهو لم يفهم بعد طبيعة المعركة. ولا طبيعة الاتحادية التي تربت في شبيبته، وخبرت معنى النضال، والجهر بالحق والدفاع عنه.
قضيتنا ليست نسائية ضيقة، وإن كان فيها دفاع واضح عن حقوق النساء. إنها قضية حزب وشأن عام، وقضية ديمقراطية ونزاهة، تهم الرأي العام والوطن، لأن الأحزاب ليست ملكاخاصا لقياداتها، ولا مقاولة عائلية تسخر بعض الأجراء لحماية مصالح محددة مسبقا، بل مؤسسات دستورية يفترض أن تساهم في تأطير المواطنات والمواطنين والتعبير عن إرادتهم، وخارج نسق الدستور سنكون خارج التعاقد الاجتماعي أصلا، وسنكون حينها معلنين للتنازل عن أسمى القيم وأجودها وأهمها وهي قيمة الوطنية.
ومن يدعي الانتماء إلى مرجعية حقوق الإنسان والشفافية والديمقراطية وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يستطيع أن يطالب بهذه المبادئ خارج الحزب ويعطلها داخله، لأنه إذاك لم يعد يملك حق الترافع بها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ولم يعد صالحا لحمل أي مشروع أو رسالة تخدم البلد او التنمية فيه.
ولن أقول خلاصة الحديث، ولا صفوة القول، بل سأسمح لنفسي بالجهر قولا: كفى تلاعبا بالكلمات
كفى اختزالا للقضية في التزكيات.
كفى تحويلا للولاء إلى انضباط.
كفى استعمالا للوحدة لإسكات الاختلاف.
كفى تبخيسا للنساء واتهاما لهن كلما امتلكن جرأة الاعتراض.
كفى دفاعا عن الأشخاص على حساب المرجعية.
وكفى مطالبة للمناضلين باحترام تنظيم لا تحترم داخله، بالقدر نفسه، قواعد الشفافية والإنصاف والمساءلة.
فقد اخترنا أن نوثق موقفنا أمام الحاضر والتاريخ:
نرفض البيع والشراء في السياسة.
نرفض منطق المزايدات المالية.
نرفض أن تتحول التزكيات إلى صفقات.
نرفض استعمال المناضلات والمناضلين أوراقا في سباق العروض.
نرفض تكريس التمييز الطبقي داخل حزب اشتراكي.
نرفض العنف السياسي وتبخيس النساء.
ونرفض اختزال الاتحاد في الكاتب الأول أو في دائرة ضيقة من المحيطين به.
لسنا ضد الحزب، نحن ضد ما يرتكب باسمه من سلوكيات لا أخلاقية.
لسنا ضد التنظيم نحن ضد استعمال التنظيم لتبرير الهيمنة والتغول،
لسنا ضد الانضباط، نحن ضد تحويله إلى طاعة وولاء للأشخاص.
ولسنا غاضبات لأننا لم ننل التزكية نحن غاضبات لأننا رأينا السياسة تفقد معناها، والقيم تزاح أمام المال، والكفاءات تستعمل أوراقا، ثم طلب منا أن نصمت حتى نثبت انتماءنا.
لن نصمت.
لأن الاتحادي الحقيقي لم يكن يوما تابعا للأشخاص، بل كان منحازا إلى القيم، ولو وقف وحيدا.
ولأن الحزب الذي يستحق الدفاع عنه ليس حزب الصمت والتقديس والصفقات، بل حزب الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية.
أما التاريخ، فسيسجل بحبر غليظ من دافع عن المرجعية، ومن دافع عن المواقع ومن قاوم السلوكيات المشبوهة، ومن بررها ومن قال الحقيقة في وقتها، ومن اختار التصفيق حتى النهاية.
وتحية لمن استوعب الموضوعية.






