رأي

أحمد الحطاب: المعنى الحقيقي للإرادة السياسية النظيفة والسليمة

الإرادة السياسية La volonté politique النظيفة والسليمة، هي الإرادة السياسية المُجنَّدة أو المُسخَّرة، فقط وحصريا، لخدمة الصالح العام. وكل إرادة سياسية خارِجة عن هذا النطاق، فهي إرادةٌ سياسية فاسدة ومفسِدة.

والإرادة السياسية ليست، في هذا الصدد، رفعُ شعارات رنانة des slogans retentissants أو pompeux. وليست، كذلك، مجرَّد وعود des promesses أو خُطب جذابة des discours séduisants. إنها التزام سياسي صارم وحازم يتَّخذه حكام بلد معيَّن للقيام بعمل أو بإصلاح أو بإنجاز مشروع، للوصول إلى تحقيق أهدافٍ تم رسمها مسبقاً. ولهذا، فالإرادة السياسية النظيفة والسليمة تحتاج إلى الشجاعة والجُرأة والعزيمة والتصميم… وهذا هو ما تحتاجه محاربة الفساد في هذا البلد السعيد!

غير أن الإرادة السياسية وحدها غير كافية، إذا لم يتَّخذ صناعُ القرار الاحتياطات الازمة لتوفير كل ما يحتاجه العمل أو الإصلاح أو المشروع من موارد مالية ومادية وبشرية الضرورية لتحقيق الأهداف المرسومة مسبقا.

والإرادة السياسية تجد، دائما، في طريقها مقاومات des résistances ومُعارضات des oppositions وعقبات des obstacles… من الضروري تجاوزُها والتَّغلُّب عليها للسير إلى الأمام في تحقيق الأهداف المرسومة وتحويلِها إلى أعمالٍ ملموسة على أرض الواقع. ثم لماذا خصَّصت هذه المقالة للحديث عن الإرادة السياسية.

لأن كثيرا من الناس، وعلى رأسهم بعض المُتسلِّطين على السياسة، الذين لا يفهمون أبعادَها ولا يدرِكون أن السياسة علمُ قائم الذات، ولا يعرفون كيف نشأت، ولا لماذا تلجأ لها الأحزاب السياسية لتدبير الشأن العام. والسياسة هي مصدر فعل "ساس"، أي دبَّر شؤون الناس. وتدبير شؤون الناس بالحق والصدق والنزاهة والشفافية، لا وجودَ له بدون إرادة سياسية نظيفة وسليمة للسياسي الذي اختاره الناسُ ليدبِّرَ شؤونهم اليومية، نيابةً عنهم.

ولهذا، فإن السياسي، إذا كانت له غيرة على وطنه ومواطنٍيه (رجالاً ونساءً)، لا خيارَ له في أن يتحلى بإرادة سياسية نظيفة وسليمة، تُسخَّر، فقط وحصريا، لخدمة الصالح العام. وفي هذا الصدد، السياسي المتوفِّر على إرادة سياسية نظيفة وسليمة، دوره، في المجتمع، هو إيجاد حلولٍ لمشاكل المواطنين المُزمِنة كالفساد والفقر والأمية والبطالة وتوزيع الثروة التي يُنتِجها اقتصاد البلاد، توزيعا عادلا ومُنصِفا…

إذن، الإرادة السياسية النظيفة والسليمة ليست اختيارا. بل إنها واجبٌ تفرِضه المواطنة وحبُّ الوطن. لكن، كيف نتعرَّف على الإرادة السياسية النظيفة والسليمة، ونميِّز بينها وبين الإرادة السياسية الفاسِدة والمُفسِدة؟

هناك مؤشِّراتٌ، مُتَّفق عليها دولياً il y a des indices reconnus internationalement تبيِّن مدى فعالية الأحزاب السياسية التي أختارها المواطنون، عبر الانتخابات، لتدبير الشأن العام، نيابةً عنهم. وهذه المُؤشِّرات يمكن تنقيطُها sa notation، أي جعلها أرقاما ناطِقة.

وهكذا يمكن تصنيف بلدان العالم حسب التنقيط الذي حصلت عليه، وفي نفس الوقت، يمكن التعرف على البلدان التي لها إرادة سياسية قوية للتصدِّي للمشاكل التي تعرقِل تنميةَ البلدان وتقدمها وازدهارَها.

مثلا، فيما يخص محاربة الفساد، تأتي البلدان التي لها عزيمة قوية، أي إرادة سياسية قوية، تتصدَّرها الدولُ الإسكندنافية والشمالية كالدانمرك وفنلندا والسويد والنرويج، إضافةً إلى سنغافورة الأسيوية التي تحارب الفساد بقوانين صارِمة ورادعة.

وفيما يخص الانتقال الطاقي la transition énergétique، تتوفَّر إسلندا، كبلد شمالي، على إرادةٍ سياسية صارمة فيما يتعلَّق بالانتقال من استِعمال الطاقة الاحفورية المضِرَّة بالبيئة والإنسان إلى الاستقلال الطاقي، المُعتمِد على الطاقات المتجددة، بالأخص، طاقة حرارة بطن الأرض La géothermie والطاقة الكهرومائية.

فيما يخص المغرب، تعد السيادة الوطنية على كافة ترابه خط أحمر لا يجب تجاوزُه أو تحدِّيه. وفي هذا الشأن، أبانت بلادُنا عن إرادةٍ سياسية قوية وصلبة لم تستطع أية قوة أجنبية اختراقَها. فهذه الإرادة السياسية غير قابلة للنقاش والمساواة. والدليل على ذلك أن الحلَّ الوحيد لقضية الصحراء المغربي، أصبح، بفضل هذه الإرادة السياسية القوية والصلبة، هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، الذي اقترحته بلادُنا على الأمم المتحدة سنة 2007. واليوم، أصبح هذا الحل هو الحل الوحيد الذي تبنته الدول الكبرى العضوية في مجلس الأمن ودولٌ أخرى كثيرة.

وفيما يخص الاستقرار السياسي للمغرب، أبانت بلادنا، تحت القيادة الحكيمة لملك البلاد، محمد السادس عن إرادة سياسية قوية، لا يمكن زعزعتُها، بأي حالٍ من الأحوال. ونفس الشيء، فيما يخص الانتقال الطاقي والبنيات التحتية الكبيرة كميناء المتوسط ومينائي الناظور والداخلة والقطار السريع والتنمية الصناعية.

أما فيما يخص "المغرب الاجتماعي" l"État social، أبانت بلادنا، تحت القيادة الرشيدة لملك البلاد، عن إرادة سياسية قوية، تجلَّت في تعميم التغطية الاجتماعية والصحية وتقديم الدعم المالي المباشر لفئات المواطنين الفقراء والمعرَّضين للهشاشة.

والإرادة السياسية القوية لم تقف عند هذا الحد. با شملت كذلك تنويعَ الشراكات les partenariats، حيث لم تبق حِكراً على البلدان الأوروبية. بل امتدت إلى البلدان الأفريقية الغربية وجنوب الصحراء وإلى الصين وروسيا…

وتبقى الإرادة السياسية معلَّقة بين القوية والضعيفة فيما يخص محاربة الفساد والأمية والفقر والبطالة. القوية، بفضل الترسانة القانونية التي تخص هذه الآفات. الضعيفة لأن القانون وحده لا يمكن أن يحَاربَ هذه الآفات، وخصوصا، إذا كانت هناك هفوات في تطبيقه تطبيقاً صارِما.

وهتا، لا بدَّ من الإشارة أنه لا يكفي أن ينصَّ دستور البلاد إلى الحكامة الجيدة la bonne gouvernance وإلى ربط المسؤولية بالمحاسبة relier la responsabilité avec la reddition des comptes وإلى تعليق الحياة العامة la moralisation de la vie publique ، وأن يتم إنشاء الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربتِه. كما لا يكفي أن ينخرط المغرب في الاتفاقيات الدولية التي لها علاقة بحقوق الإنسان… لماذا؟

لأن الفساد أصبح ثقافةً رسَّختها الأحزاب السياسية في المشهد السياسي الوطني، إضافةً إلى أن الفسادَ له لوبيات اجتماعية، وخصوصا، اقتصادية تستفيد منه وتعتبِره واحدا من مُحرِّكات الاقتصاد. والدليل على ذلك أن البلادَ يضيع منها ما لا يقل عن 50 مليار درهم سنويا. فأين تذهب هذه المليارات؟ تذهب إلى جيوب لوبيات الفساد.