هل يريدون أن ننسى تطوان، والريف، والحماية الإسبانية، وحرب الريف، وقصف السكان بالأسلحة الكيماوية، وتقسيم المغرب، وأن نتذكر فقط أن «سبتة إسبانية»؟
هل يريدون أن يصبح التاريخ الذي يخدمهم تاريخا، والتاريخ الذي يزعجهم دعاية مغربية؟
هذه هي العقلية التي ينبغي التصدي لها ، عقلية ترى الاستعمار عندما يكون في مكان آخر، ولا تراه عندما يتعلق الأمر بماضيها، عقلية تعتبر الاحتلال البريطاني لجبل طارق استعمارا، لكنها تنزع عن وجودها في شمال المغرب كل صفة استعمارية، وتصر على تقديمه باعتباره مجرد وحدة من التراب الوطني الاسباني، وهذه المفارقة نفسها كانت حاضرة في السجالات الإسبانية داخل الأمم المتحدة حول سبتة ومليلية وجبل طارق.
الهستيريا الإسبانية حول سبتة لا ينبغي أن تتحول إلى إنكار لمغربيتها الجغرافية والتاريخية، فهذا الامر غير ممكن لا بالعقل و لا بالتاريخ و لا بالمنطق ، فالمدينة مغربية منذ ان وجدت، و الاستعمار يظل استعمار ولا يمكن ترسيخه بطول مدته .
لكن ما ينبغي قوله بوضوح للإسبان هو التالي، انتهاء الإمبراطوريات لا يعني انتهاء الذاكرة، وإن مرور خمسة قرون لا يحول التوسع العسكري إلى حقيقة أزلية، وإن رفع العلم الإسباني فوق أرض مغرية افريقية لا يغير موقعها الجغرافي، كما أن إقامة أجيال من السكان فيها لا تلغي تعقيدات تاريخ نشأ في سياق الصراع بين القوى الأوروبية والمجتمعات المغاربية.
إن سبتة، قبل أن تكون شعارا في مظاهرة بمدريد، هي عقدة تاريخية في العلاقة بين أوروبا والمغرب، وهي أيضا اختبار حقيقي لمدى قدرة إسبانيا على النظر إلى ماضيها الاستعماري بقدر من الشجاعة النقدية، بدل الاحتماء دائما بعبارة سبتة إسبانية وكأنها جواب نهائي عن كل الأسئلة.
أما المغرب، فعليه ألا يدخل هذا النقاش بمنطق الانفعال، بل بمنطق الدولة، بالوثيقة، والتاريخ، والقانون الدولي، والدبلوماسية، وبنفس طويل، لأن القضايا الترابية الكبرى لا تحسمها الصراخات في الشوارع، ولا أعلام المتظاهرين، ولا التصريحات الشعبوية، وإنما تحسمها قوة الحجة، ووضوح الذاكرة، وقدرة الدولة على تحويل التاريخ إلى سياسة.
المشكلة ليست في الإسباني الذي يحب سبتة، المشكلة في العقلية التي تريد أن تقنع العالم بأن التاريخ توقف يوم دخلت الجيوش الأوروبية شمال إفريقيا، وأن كل ما جاء بعد ذلك مجرد حق إسباني مقدس.
ذلك هو الوهم الذي ينبغي أن ينتهي، فالمغرب لا يطالب الإسبان بأن ينسوا تاريخهم، وإنما يطالبهم بأن يتذكروا التاريخ كله، لا التاريخ الذي يناسبهم فقط.






