سياسة واقتصاد

أخنوش.. لقجع.. ونزار : ثلاثة وجوه وعملة واحدة

عبد السلام المساوي
   مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل ، يخرج تجار الوعود من جديد إلى الساحة في حملات انتخابية سابقة لأوانها ، حاملين بضاعتهم السياسية نفسها التي استهلكها المغاربة مرات عديدة دون أن تترك أثرا سوى المزيد من الإحباط وفقدان الثقة ، وكأن الذاكرة الجماعية للناخبين قصيرة إلى درجة تسمح بإعادة تسويق الشعارات والوعود السابقة نفسها التي بقيت مجرد حبر على ورق دون أن تتحقق على أرض الواقع .

   ومن بين هؤلاء ، عزيز أخنوش ، الذي انسحب ليعود وسط ضجيج من الأسئلة والاستفهات الغامضة والملغومة ، وها هو بعد " العودة " يجوب هذه الأيام الصحراء المغربية و المدن والمناطق النائية مرددا خطب " الإنجازات " لقرصنة أصوات الناخبين ، رغم أنه تقلد منصب وزير الفلاحة والصيد البحري ( التنمية القروية والمياه والغابات لاحقا ) في الفترة التي تمتد من 2007 إلى 2021 ، ومنذ شتنبر 2021 رئيسا لحكومة التغول بأغلبية متجبرة محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا ...

قضى خمس سنوات كاملة على رأس الحكومة ، وحظي بسلطات وصلاحيات واسعة ، ووصل هو إلى كرسي رئاسة الحكومة على ظهر شعارات رنانة ووعود مزيفة محاطة بسياج من الأكاذيب ، من قبيل مليون منصب شغل ، وتحقيق العدالة الاجتماعية وصون القدرة الشرائية للمواطنين .... ، غير أن الحصيلة التي تركها وراءه لا تعكس حجم تلك الشعارات ومع ذلك يعود اليوم ليقدم الوصفات ذاتها والوعود نفسها ، بل يزيد عليها ، وكأن شيئا لم يكن .

   ومن بين هؤلاء أيضا ، فوزي لقجع الذي شارك في حكومة أخنوش وتولى حقيبة وازنة ومحورية ونافذة هي وزارة الميزانية وما أدراك ما وزارة المالية ومسؤوليات مختلفة ، وساهم بشكل مباشر في صناعة القرارات والسياسات العمومية ، لكنه يقدم نفسه وهو يدخل حزب الأصالة والمعاصرة " فاتحا " في جهة سوس كما لو أنه كان خارج دائرة القرار ، أو كما أنه " المهدي المنتظر " الذي يملك عصا سحرية لحل جميع مشاكل المغاربة دفعة واحدة ، متناسيا أن جزءا كبيرا من تلك المشاكل تفاقم خلال فترة مشاركته في تدبير الشأن العام . 

   لا يمكن إسقاط الرياضة على السياسة ، ما تحقق من نجاحات وإنجازات كان بفضل الرؤية الحكيمة لصاحب الجلالة ، والانتصارات هي انتصارات الشعب المغربي كله بقيادة جلالة الملك ...من هنا وجب الفصل بين حقل الرياضة وحقل السياسة ، ولكل " لاعبوه " الحقيقيون ...

قال الأستاذ إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في جواب على سؤال وجهته الزميلة مريا مكريم في لقاء نظمته مؤسسة الفقية التطواني بمقر الاتحاد الاشتراكي، بخصوص دخول فوزي لقجع المعترك السياسي من بوابة الأصالة والمعاصرة في نهاية الولاية التشريعية و الحكومية. فكان جواب الأستاذ إدريس لشكر هو كالآتي " واهم من يعتقد ان هناك صراع بين حزب الأصالة و المعاصرة الذي إلتحق به فوزي لقجع و الذي هو وزير الميزانية بحكومة عزيز اخنوش رئيس الحكومة و الرئيس السابق للحزب الذي يقود الحكومة. أخنوش ولقجع وجهان لعملة واحدة "

    وذكرنا نزار بركة بممارسة حزب المصباح لهوايته المفضلة بازدواجية الخطاب التي ظلت تلازم تدبيره جزءا من السلطة طيلة عقد من الزمن ، الذي كان مولعا بالتواجد في كل الأمكنة في نفس الوقت ، يريد الزبدة وثمن الزبدة ، يعشق ملذات السلطة وصولجان المعارض ، وكان دائم البحث عن المبررات التي تسمح له بممارسة الشيء ونقيضه .

   وذكرنا نزار بركة بممارسة حزب الاستقلال لدور المعارضة لحكومة التناوب بقيادة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي ، وكان حزب الاستقلال مشاركا فيها ! وكلنا يتذكر الرسالة " الشهيرة" التي وجهها عباس الفاسي ( وزير الشغل في حكومة التناوب الثانية ) إلى الوزير الأول آنذاك سي عبد الرحمان ، وكلنا يتذكر دور عباس الفاسي ، الأمين العام لحزب الاستقلال انذاك " في إجهاض المنهجية الديموقراطية بعنوان " مولا نوبة " !

   وها هو نزار البركة اليوم يهاجم " الفراقشية " وممارسات الريع والجشع و" التلاعب " بقوت المغاربة !!!

 إذن فنزار بركة اليوم ، لم يأت بدعة ، بل إنه يكرس سلوكا قديما لحزب الاستقلال ، على الأقل في زمن التناوب .

   ليعلم سي نزار أن للمعارضة حزبا يقودها ، هو حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، مارسها بقوة وتفوق في زمن الجحيم والنار ويمارسها اليوم بنفس القوة والكفاءة في زمن التغول ، وطبعا حزب الاستقلال أحد مكونات هذا التغول !

   " أطلق نزار البركة الأمين العام لحزب الاستقلال ، العنان ، باكرا ، لحنجرته ، على بعد أكثر أشهر عن الانتخابات التشريعية المقررة في 2026 ، وسمع صوته ، يخلط الأوراق ، ويعيد ترتيبها بطريقة يفهم منها أن حزبه بريء مما يجري ، اليوم في الحكومة .

   وتابع المغاربة ، باستغراب ، السلوك " الجديد " لنزار بركة ، وهو يشحذ أعلى طبقات صوته للتنصل من مسؤوليته ، ومسؤولية حزبه من تبعات تدبير قطاعات الخضر واللحوم الحمراء والبيضاء ( على وجه التحديد ) ، ورمي الكرة في ملعب باقي الأطراف الحكومية ، وفشلها ، من وجهة نظره ، في لجم مجموعات المضاربين والسماسرة والمنتجين الكبار ، الذين يتحكمون في تركيبة الأسعار .

   لقد اختار الأمين العام مكانا وتوقيتا محددين ، لتوجيه سهامه إلى المضاربين ، وهي " طريقة " لإخفاء موقفه الحقيقي من " تراخي " الحكومة ، وأجهزة المراقبة المركزية والجهوية ، وعدم تطبيقها للقانون في القضاء على الوسطاء والسماسرة ، أو أصحاب البطون الكبيرة الذين يراكمون الأرباح ، على حساب المغاربة " المساكين " .

   قبل اليوم ، استعمل بركة عبارة " اتقوا الله في المغاربة " ، في محاولة يمكن وصفها بالبئيسة لدغدغة عواطف الناخبين ، وتقديم الحزب ومناضليه ، في هذه اللحظة السياسية بالذات ، باعتبارهم مجموعة من " الفرسان الشجعان " ، الذين لا يخافون من الجهر بالحقيقة ، وفضح لوبيات الاتجار في جيوب المواطنين .

   والحال ، أن من ينبغي أن يتقي الله ، في هذه الأيام ، هو " نزار " ولا أحد غيره ، بسبب فشله الذريع في تدبير قطاع الماء ، ووضع الحلول الناجعة لتجاوز أزمة الخصاص الكبير في هذه المادة الحيوية ، وإيجاد حلول لإشكاليات السدود الغارقة في الوحل ، والتراخي في استكمال مراحل الطرق السيارة للماء ، ومحطات التحلية ، وتوفير مياه السقي للفلاحين .

   إن غلاء الأسعار واضطرار الكسابين الصغار للتخلي عن مواشيهم وبيعها بأرخص الأثمان ، والدمار الكبير الذي لحق القطيع الوطني ، ودخول تجار " الهوتة " والسماسرة والمضاربين على الخط ، يعود ، أساسا ، إلى فشل السياسات المائية ، التي يشرف عليها الوزير نفسه ، ولاشيء آخر .

   إن ما أدلى به الأمين العام خطير جدا ، ليس لأن الرجل يجلس مع مكونات الأغلبية الحكومية ، ويجدد وفاءه بالميثاق والالتزامات والمآلات والمسؤوليات ، بل لأنه يروج لفكرة " انقلابية " ، تتعلق بوجود فاعلين اقتصاديين أكبر من الحكومة ، وربما أكبر من الدولة ، يفعلون ما يحلو لهم في تحديد الأسعار .

   فحين يخاطب مسؤول في الحكومة " جهة ما " ، ويطلب منها الرجوع إلى الله ، واتقاءه في عباده من الزيادات في الأسعار ، فكأنما يعلن فشل الحكومة في تجريب جميع حلول الأرض مع فئة الفاعلين الاقتصاديين " المحميين " ، ولم تعد هناك سوى حلول السماء ، وهو خطاب ملتبس ، سيكون له ما بعده ، على ثقة المواطنين في الفاعل السياسي والانتخابات برمتها . فاتق الله في نفسك وفينا .

   كتبت فيما سبق : حققت الحكومة اكتفاءها الذاتي سياسيا:

لم تعد في حاجة إلى المعارضة، بعد أن أفرزت منها معارضتها.

 الحكومة التي تتكون من ثلاثة أحزاب ( لا غير ) 

لا تتبادل المعطيات في ما يبدو لكنها تتبادل الأدوار!

كل مرة يأتي الدور على واحد منها ليشكو أصحابه إلى الشعب المغربي:

 وكل مرة يخرج واحد منها ليشكو الشعب المغربي 

إلى .. البرلمانيين، الذين انتخبهم الشعب المغربي ليشكلوا حكومة لا تتسع للشعب المغربي!

 إن أخطر ما في الحملات الانتخابية ليس تعدد الوعود بل غياب المحاسبة على السابقة ، ومن المفروض أن تكون صناديق الاقتراع هي الفيصل لتجسيد هذه المحاسبة ، كما حدث في انتخابات 2021 ، عندما صوت المغاربة ضد حزب العدالة والتنمية الذي تولى رئاسة الحكومة لولايتين دون تحقيق أي وعد من وعوده الانتخابية .

   لذلك من المفروض أن تكون الانتخابات المقبلة ، كذلك فرصة للناخبين من أجل تقييم الحصيلة الحكومية الحالية ، وتجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر صناديق الاقتراع ، حتى لا تتحول الانتخابات الى موسم يتكرر كل خمس سنوات لتوزيع الأحلام المؤجلة وإعادة تدوير الخطابات المستهلكة ، فذلك لا يخدم سوى تجار السياسة الذين يراهنون على النسيان أكثر مما يراهنون على الإنجاز .

   لكن الحقيقة التي يدركها المواطن جيدا ، هي أن معظم هذه الوعود البراقة ستتبخر مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع ، وستختفي الشعارات فور إعلان النتائج ، ليبدأ فصل جديد من الأعذار وتبادل المسؤوليات وإلقاء اللوم على الظروف والإكراهات ، أما المواطن فسيجد نفسه ، مرة أخرى ، أمام الواقع ذاته الذي حاولت الخطابات الانتخابية حجبه مؤقتا .

   لذلك فالرهان الحقيقي في الاستحقاقات المقبلة ليس على من يرفع سقف الوعود أكثر ، بل على من يملك الجرأة لتقديم حصيلة واضحة والاعتراف بالإخفاقات ، والقدرة على إقناع الناخبين بالأفعال والمنجزات لا بالأقوال ، فزمن بيع الأوهام يجب أن ينتهي ، لأن المغرب لا يحتاج إلى تجار الوعود الانتخابية ، بل إلى مسؤولين يصنعون الإنجازات على أرض الواقع .