سياسة واقتصاد

المغرب في مواجهة حرب ضروس على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي

سمير بنيس

هذا نداء أخوي لكل المثقفين والأكاديميين المغاربة: يتعرض المغرب منذ ما يزيد عن أسبوعين لحملة إعلامية غير مسبوقة ومنقطعة النظير لتشويه سمعته وسمعة مؤسساته وتلطيخ الصورة الطيبة التي يحظى بها المغرب والمغاربة في جميع أنحاء العالم، والتي تعززت خلال السنوات القليلة الماضية.


صحيح أن هناك العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الملايين من المغاربة إلى التفكير في الهجرة باعتبارها حلاً لمشاكلهم الاقتصادية ولانسداد الافق في وجههم. كما لا يمكن لأي أحد أن ينكر هذه الحكومة المنتهية ولايتها هي ربما أسوأ حكومة عرفها المغرب منذ فجر الاستقلال، حيث أن القدرة الشرائية للمواطنين تدهورت بشكل غير مسبوق وتفاقم مستوى الهشاشة لدى الطبقات التي كانت تعاني أصلاً من العديد من المشاكل الاقتصادية. 


كمأ أن هذه الحكومة فشلت فشلاً ذريعاً في خلق فرص الشغل أو المناخ الاقتصاد الذي بإمكانه أن يخفف من وطأة البطالة أو الهشاشة التي يعاني منها الملايين من المغاربة. الاكثر من ذلك أن مؤشرات الفساد والزبونية واقتصاد الريع تفاقمت خلال السنوات الخمس الماضية في ظل تواجد رئيس حكومة توجد شبهات قوية بخصوص استغلاله للسلطة من أجل تعزيز قبضته وقبضة زبانيته على الاقتصاد المغربي على حساب الملايين من المغاربة. ولعل ما يعزز هذه الفرضية هو الارتفاع المهول وغير الاخلاقي لأسعار المحروقات ورفض هذه الحكومة إحياء مصفة لاسمير.


ومع ذلك، علينا أن نضع كل عتاب على الحكومة جانباً في هذه اللحظة وأن نكون على وعي بأن جهات خارجية، بما فيها إسبانيا، منزعجة من النجاحات التي حققها المغرب على العديد من المستويات وطموحه المشروع للاضطلاع بدور يليق بمكانته على المستوى الاقليمي والدولي. ولعل الاستغلال البشع والدنيء لوسائل الاعلام الاسبانية لأحداث سبتة وحرصها على تبني سردية الهدف منها شيطنة المغرب وتقديمه على أنه دولة غير جديرة بالثقة ولا الاحترام، لعل ذلك خير دليل على نيتهم المبيتة لضرب سمعة المغرب في مقتل وانزعاجهم من الحظوة التي أصبح يحظى بها على المستويين الاقليمي والدولي.


فما يهم وسائل الاعلام الاسبانية ووسائل الاعلام الغربية، المعروفة كذلك بعدائها للمغرب، ليست هو قراءة ما وقع يومي 29 و30 يوليوز بشكل واقعي وتحليله بناءً على معطيات موضوعية قابلة للتحقق، بل النيل من سمعة المغرب. وكنت قد أكدت في الكتب الاربعة التي نشرتها عن العلاقات بين المغرب وإسبانيا وقضية الصحراء المغربية أن هناك نزعة مرضية لدى الاسبان، منذ قرون خلت، لشيطنة المغرب وازدراءه وتقديمه على أنه عدو إسبانيا والبلد الذي يتسبب لها دائماً في مشاكل عصية الحل.


تدرك النخب الإعلامية والسياسية الإسبانية جيدًا أن شيطنة المغرب وتشويه صورته والإساءة إلى ملكه يمكن أن تدرّ عليها مكاسب سياسية أو إعلامية. إن هذا الموقف الإسباني العدائي بطبيعته تجاه المغرب له جذور تاريخية عميقة، إذ جرى بشكل ممنهج تصوير المغرب في الكتب المدرسية الإسبانية بصورة قاتمة وسلبية للغاية. ففي كتب التاريخ التي قرأها التلاميذ الإسبان على مدى أجيال، يُقدم المغرب في كثير من الأحيان باعتباره تهديدًا دائمًا لإسبانيا وجارًا لا يُوثق به بطبيعته ولا يمكن الاعتماد عليه.

وكما وثقتُ ذلك بعناية فائقة في كتابي الصادر عام 2021 حول «التاريخ المضطرب» للعلاقات الإسبانية المغربية، فإن هذا السلوك الأبوي الإسباني وهذه النظرة المتعالية والمستخفة التي تتبناها النخب الإعلامية والسياسية الإسبانية تجاه المغرب هما حصيلة قرون من ترسيخ عقدة التفوق العرقي والثقافي لدى أجيال متعاقبة من الطلاب والتلاميذ الإسبان.


ومنذ نهاية الشهر الماضي، ومع اقتراب الانتخابات التشريعية الاسبانية، فإن الاحزاب السياسية الاسبانية، التي تعي مدى تجدر العداء تجاه المغرب في صفوف ناخبيها، لم تتوان في استغلال تلك الاحداث بشكل بشع وقذر ومقزز لتحقيق أهداف سياسية ضيقة. ما قلته عن الاحزاب السياسية ينطبق كذلك على وسائل الاعلام الاسبانية، التي تعتبر شتم المغرب وازدراءه والتعدي على رموزها الوطنية بما في ذلك شخص جلالة الملك محمد السادس، وسيلة لتوسيع دائرة قراءها وتحقق عوائد مالية إضافية.


بناءً على ذلك، وأخذاً في عين الاعتبار الحملة الاعلامية الشعواء غير المسبوقة التي يتعرض لها بلدنا، أعتقد أنه واجب على كل المواطنين المغاربة، خاصة المثقفين والأكاديميين والكتاب الصحفيين التصدي لهذه الحملة من خلال كتابة مقالات تحليلية لدحض الكم الهائل من الادعاءات والاكاذيب التي تنشرها وسائل الاعلام الاسبانية وكذلك الحضور بشكل مستمر على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة موقع إكس.

إن المغرب يواجه في هذه الايام حرب ضروس على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تدمير الرأسمال الذي راكمه المغرب على مستوى القوة الناعمة على مدى العقد الماضي، على الاقل. ومن ثم الحاجة لليقظة الجماعية لكل المغاربة.