أولا: سياق نقد غونتر لأطروحة بيكل
نشأ اعتراض غونتر داخل سجال أمريكي محدد المعالم. فبعد قرار Brown سنة 1954 صارت المحكمة العليا متهمة بأنها تحكم بلا سند انتخابي، فطرح هيربرت فيكسلر سنة 1959 شرط «المبادئ المحايدة» جوابا عن التهمة: لا شرعية لقاضٍ يبني حكمه على مبدأ لا يقبل تعميمه على خصمه كما على حليفه.
وقبل بيكل هذا الشرط في الموضوع، لكنه أضاف إليه رخصة في العتبة. فللمحكمة عنده أن تختار متى تنطق، وأن تدّخر المبدأ حتى تنضج شروط تقبّله، مستعينة بأدوات القبول والاختصاص. وردّ غونتر سنة 1964 بأن الرخصة تُبطل الشرط، لأن من يملك اختيار المناسبة يملك النتيجة، فلا معنى لمبدئية تعمل عشرين في المائة من الوقت. وكان غونتر، وهو مساعد سابق للقاضي ليرند هاند وكاتب سيرته، يصوّب على نقطة بعينها: قواعد القبول قواعد قانونية لها مضمون مستقل، واستعمالها أداةَ توقيت يفسدها في النازلات العادية قبل النازلة المحتقنة، ويُخرج القرار من دائرة النقد لأنه يظهر بمظهر العجز حين يكون اختيارا.
وهذا ما يجعل السجال قابلا للانتقال إلى المغرب رغم اختلاف نموذجي الرقابة. فالمسألة التي يحرّرها غونتر تخصّ كل قضاء دستوري: للمحكمة سلطتان، سلطة أن تحكم وسلطة أن تقرر هل تحكم، والثانية أشدّ خطرا لأنها تُمارَس بلغة تقنية تحجب طابعها التقديري. ومن هنا سمّى الفقه اللاحق هذه الممارسة «الفضائل العدوانية السلبية»، تنبيها إلى أن للامتناع مستفيدين ومتضررين، وأنه يوزّع الكلفة كما يوزّعها الحكم.
ثانيا: عراقيل العودة إلى المحكمة، ونقد استعمال المخرج البيكلي
صيغة «على حالها» في القرار 277/26 تفترض عودة السؤال، وعليها وحدها يقوم كل دفاع ممكن عن الامتناع. لكن العودة في الرقابة القبلية المغربية احتمال سياسي أكثر منها يقينا قانونيا، وعراقيلها بنيوية. فالفصل 132 يحصر المبادرة في قائمة مغلقة من الجهات، ولا يفرض على أيّ منها تجديدها، ولا يمنح المحكمة أن تتصدى تلقائيا لنص لم يُحَل إليها، فتبقى ولايتها معلّقة على إرادة غيرها. والنافذة الزمنية تُقفل بإصدار الأمر بتنفيذ القانون، والمحكمة لم تأمر بوقف الإصدار ريثما تصلها إحالة مصححة، ولم يكن ذلك في وسعها. ثم إن الجهة التي يُنتظر منها التدارك هي عينها الجهة التي وقع الخلل في إحالتها، والأغلبية التي صوّتت على النص لا مصلحة لها في إعادة فتح ملف دستوريته بعد أن استقرّ. فالمحكمة حين امتنعت سلّمت قرار طرح السؤال إلى الفاعلين السياسيين الذين كان عملهم موضوع المراقبة، بدل أن تؤجّله إلى موعد تملك هي مفاتيحه.
وبهذا يسقط المخرج البيكلي، لأن بيكل يشترط أن تحتفظ المحكمة بيدها على الثلاثية «هل تحكم، ومتى، وإلى أي حد»، وما جرى هنا تنازل عن العنصر الأول. ويجد اعتراض غونتر محله كاملا. فالقرار لا يقول «اخترنا ألا نبتّ»، بل يقول إن محل الرقابة «غير متوفر من الناحية الواقعية» وإن ثمة «مانعا قانونيا»، فيعرض في صورة استحالة خارجة عن الإرادة ما كان تخليا عن الولاية، ويحرم قارئه من المعطى الوحيد الذي يتيح مساءلته، وهو الأسباب التي حملته على الانسحاب حين كان استكمال الملف ممكنا.
* المحكمة الدستورية المغربية، قرار رقم 277/26 م.د، ملف عدد 317/26، بتاريخ 10 غشت 2026؛ دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 132 (الفقرة الثالثة)؛ القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، المادة 23.
Herbert Wechsler, “Toward Neutral Principles of Constitutional Law”, 73 Harvard Law Review 1 (1959).
Alexander M. Bickel, “The Supreme Court, 1960 Term — Foreword: The Passive Virtues”, 75 Harvard Law Review 40 (1961); The Least Dangerous Branch: The Supreme Court at the Bar of Politics, Indianapolis, Bobbs-Merrill, 1962.
Gerald Gunther, “The Subtle Vices of the ‘Passive Virtues’: A Comment on Principle and Expediency in Judicial Review”, 64 Columbia Law Review 1 (1964).
Gerald Gunther, Learned Hand: The Man and the Judge, New York, Alfred A. Knopf, 1994.
Brown v. Board of Education, 347 U.S. 483 (1954).






