عند أسوار سبتة يلتقي تاريخ الاستعمار بحاضر الرأسمالية المُعَوْلَمَةِ؛ تتحرك الأموال والبضائع والثروات بسهولة، فيما تصطدم أجساد الفقراء بالحديد والأسلاك والهراوات، والحجارة الضخمة على الرؤوس أحياناً. هناك، يصبح السياج أكثر من مجرد حدود جغرافية: يصبح صورة مكثفة عن عالم فتح أبوابه لرؤوس الأموال وأغلقها في وجه الإنسان.
الاستعمار كان لحظة تاريخية توسع فيها رأس المال، مدعوماً بالجيوش، بحثاً عن الأرض والمواد الأولية والأسواق واليد العاملة الرخيصة. جاء الأوروبي بالبندقية لحماية الشركة والبنك والمنجم والضيعة والميناء، وتحولت مستعمرات الجنوب إلى فضاءات لإنتاج الثروة ونقل الجزء الأكبر منها نحو المراكز في أوروبا. وما قُدِّم باعتباره "رسالة حضارية" كان في الحقيقة نظاماً لنهب الجنوب وإعادة توزيع ثروات العالم وفق مصالح الأقوى الشمالي.
إن السيطرة لا تحتاج إلى البندقية وحدها؛ بل تحتاج أيضاً إلى خطاب يجعل الظلم طبيعياً والهيمنة مقبولةً. بالأمس سُمّي الاحتلال مساهمةً في التحضر، واليوم يُقدَّم لنا هذا العالم الشديد اللامساواة كما لو كان نتيجةً طبيعيةً لاختلافِ قدراتِ الشعوبِ في التَّحَضُّر.
ولكننا يجب أن ندرك اليوم أن التحرر لم يكتمل بمجرد رحيل المستعمر. فقد ورثت بلدان كثيرة اقتصاداً تابعاً، ثم نشأت داخلها نخب وطبقات محلية راكمت الثروة والسلطة وتركت ملايين الناس خارج الحق في المدرسة والمستشفى والعمل والكرامة. لذلك لا تكفي إدانة الاستعمار لتفسير حاضرنا؛ فهناك نهبٌ خارجيٌ قديمٌ ومتجددٌ، وهناك أيضاً نهبٌ داخليٌ تمارسه طبقات حولت الاستقلال الوطني إلى امتيازٍ إقتصادي لها بدلَ أن تجعل الإستقلال تحرراً اجتماعياً وَرَفَاهاً للجميع.
المفارقة الأكثر قسوة هي أن من استعمر دول الجنوب بالأمس يرفع حولها الأسلاك الشائكة اليوم، ورأسُ المالِ الذي لا وطن له يطالب فقراء الجنوب بأن يكون لهم وطنٌ لا يُسمحُ لهم بمغادرته.
لقد أزالت العولمة الحدود أمام المال ولكنها جعلتها أكثر صداً وقسوةً أمام حركة الإنسان. ولهذا فعلينا أن لا ندافع فقط عن حق المهاجرين، نظاميين كانوا أو غير نظاميين، في الكرامة، بل يجب علينا أن نصارع من أجل عالم لا يضطر فيه الإنسان أصلاً إلى الهرب من موطنه بسبب الفقر والتهميش.






