وقد أثبتت هذه الأحزاب، بلهفتها وتلهفها على استقطاب واصطياد وسرقة وإغراء المرشحين "الجاهزين"، أن همها الأول أبعد ما يكون عن التأطير والوساطة والاقتراح والإبداع في البرامج، فكل الطرق تؤدي إلى البرلمان وإلى مقاعده.
هذا شعار، وهاجس المرحلة، فلا يهم برنامج ولا إيديولوجيا ولا أفكار ولا مشروع، وبذلك تحول مفهوم الحزب السياسي إلى مجرد فريق يجمع القادرين على "اللعب"، بقيادة "منعشين ومقاولين سياسيين"، بشكل زاد من تشويه العملية السياسية كلها، وبهدل المشهد أكثر مما كان، خصوصًا بوجوهٍ تكاد لا تفرق بين الفعل السياسي، بما يعنيه الفعلُ السياسي وما يستوجبه من مسؤولية وقلقٍ وهواجس وتفكير، وبين "التعاطي" في كل الاتجاهات لمداراة الكسل والعجز أمام التعاطي مع الملفات. هذه الوجوه التي تحترف البزنس السياسي، وتبرم "الصفقات" السياسية، بمنطق الربح، وليس بمنطق الانتماء والأفكار.
كان المفروض في هذه الظرفية بالتحديد، ورهانات الوطن والمواطنين واضحة وملحة، أن يكون الصراع، الحقيقي، حول البرامج، وحول القدرة على إقناع المواطنين، الناقمين على العملية الانتخابية في الأصل، بالمشاركة وممارسة حق الاختيار، لكنها (الأحزاب) أُصيبت بلهطة 23 شتنبر، وحولت لحظة، المفروض أن تكون ديمقراطية، إلى مبرر للهطة واللهفة والتخاطيف والريكلام السياسي البئيس، في ممارسات مقززة.
بهذه الممارسات صرنا أمام عملية مزاد علني كبيرة، أبطالها أحزاب عاقرة، وتجار تزكيات وانتخابات، وجماعات من "المتحولين" سياسيًا، لا يحرجهم أن يقضوا الليلة في حزبٍ ليستفيقوا في حزب آخر، وليناموا قيلولتهم في حزب ثالث.
ومن "يبيع" حزبه بسبب تزكية عابرة لا يمكن إلا أن "يبيع" المواطن، وحتى الوطن، في أول "دورة".
لقد صار المشهد مثيرًا للسخرية، إلى درجة أن مراقبة العملية الانتخابية تستحق أن تصير من اختصاص مجلس المنافسة، تراقب "الأسعار" في السوق الانتخابية، والسعر هنا ليس نقدًا بالضرورة، بل تزكية أو وعدًا أو أو أو…
لقد صارت السوق السياسية، والانتخابية، تعاني "الاحتكار"، والمتضرر طبعًا هو الوطن والمواطنون.
في وقت تدبر بلادنا أزمة سبتة، وما يرتبط بها من رهانات ديبلوماسية، وما يرتبط بها من أوضاع يعيشها جيل جديد، أو أجيال جديدة، "تكفر" بالسياسة وما يأتي منها، وبدل أن تتعبأ الأحزاب لتحاول "علاج" نفسها، تحولت إلى أكبر معيق للديمقراطية، وأكبر كابوس يهدد الحلم الديمقراطي المغربي.
يبدو أن الحل الوحيد هو أن يختفي ممتهنو السياسة، أن يختفي المتحولون سياسيًا، وأن يختفي المنعشون السياسيون الباحثون الذين حولوا أحزابهم إلى مجرد تجزئات، دون نفَسٍ سياسي.






