سياسة واقتصاد

الاستحقاقات الانتخابية: من فتور السياسة إلى حرارة التناظر

التايقي حسن

أعلن بوبكر التطواني، رئيس مؤسسة الفقيه التطواني، خلال استضافة المؤسسة بمقر حزب التجمع الوطني للأحرار لمحمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، اعتزام المؤسسة تنظيم مناظرة وطنية تجمع رؤساء والأمناء العامين للأحزاب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لعرض برامجهم ورؤيتهم لمغرب الغد.


تكمن أهمية هذه المبادرة في كونها تعيد إلى الواجهة سؤال فتور المشهد السياسي والإعلامي عشية الاستحقاقات الانتخابية، في وقت يفترض أن ترتفع فيه حرارة النقاش والتنافس البرنامجي.


نشير هنا إلى أن التناظر السياسي لا يتوقف فقط عند حدود المواجهة الإعلامية، بل له أدوار جد مهمة كآلية ديمقراطية تساعد الناخب على المقارنة بين البرامج والاختيارات، وإبراز التمايزات الحقيقية بين الأحزاب، بما يعزز تقاطبات وتحالفات أكثر عقلانية قائمة على البرامج لا على الأشخاص والانطباعات.


يكفي الإشارة هنا إلى تجارب عدد من الديمقراطيات الغربية للوقوف على المكانة التي تحتلها المناظرات السياسية خلال الفترات الانتخابية، فهي تتحول إلى محطات مركزية في الحملات، تخضع خلالها البرامج والوعود وقدرات النخب السياسية للاختبار أمام الناخبين، ويمكن لأداء مرشح في مناظرة واحدة أن يعزز موقعه أو يضعفه، بل وأن يؤثر في اتجاه جزء من الناخبين.


ولا تعني المقارنة هنا استنساخ هذه التجارب بصورة ميكانيكية، فالسوسيولوجيا الانتخابية المغربية مختلفة، كما أن مستوى الوعي والممارسة السياسية ليس متماثلًا، خاصة وأن العملية الانتخابية عندنا تتأثر، بدرجات متفاوتة، بعوامل الزبونية والشخصنة والعلاقات المحلية واستعمال المال وغيرها من المؤثرات السلبية التي قد تزاحم الاختيار القائم على البرنامج السياسي.


غير أن الملاحظ هو الغياب شبه التام لهذا النوع من التناظر في الإعلام العمومي، الذي يظل في كثير من الأحيان سجين برامج سياسية باردة، محدودة الجاذبية.


وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يعود غياب المناظرات إلى ضعف الاجتهاد والابتكار داخل الإعلام الوطني، أم إلى غياب إرادة سياسية حقيقية تروم تنشيط النقاش السياسي بما يسمح للمغاربة بالمقارنة الموضوعية بين الأحزاب والبرامج؟


في هذا السياق، تكتسب مبادرة مؤسسة الفقيه التطواني أهميتها إن تحققت، باعتبارها اختبارًا لاستعداد القيادات الحزبية للانخراط في ثقافة التناظر والدفاع عن برامجها أمام النقد والبدائل المنافسة.


ويبقى السؤال: هل ستدشن دعوة مؤسسة الفقيه التطواني مرحلة جديدة على مستوى التناظر والترافع السياسي؟


وهل قيادات الأحزاب مستعدة سياسيًا لهذا التمرين الديمقراطي؟ وهل تدفع هذه المبادرة الإعلام العمومي إلى الانتقال من البرامج السياسية الباردة إلى نقاش سياسي حي ومنتج؟