التهريج، لغةً واصطلاحاً، عبارة عن الأقوال والأفعال التي تدفع الناسَ للضحك، لكنها لا تفيد. غير أن أقوال السيد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، يضرب عصفورين بحجرٍ واحدٍ. لأن كلامَه، فعلاً، مُضحِك، لكنه يسعى إلى زرع الفوضى le désordre والتشويش la confusion، والاضطراب la perturbation في المشهد السياسي. إذن، إنه كلامٌ هدفه، هو زرع الفتنة والفوضى. لكنه كلامٌ غير موزونٍ وفيه جرعة عالية من اللاعقلانية le manque de rationalité.
علما أن اللاعقلانية تدفع صاحبَها إلى النُّطق بكلامٍ ينقُصه المنطِق وتطغى عليه العواطف les sentiments والغريزة l"instinct. والدليل على ذلك أن السيد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لا يستطيع ولن يستطيعَ أن يدعِّمَ كلامه بالأدلَّة القطعية. وهذا دليل صارِم على أن السيد الأمين الأمين العام يحمل معه، أثناءَ قيامِه بالحملات الانتخابية، آثارَ النكسة التي تلقاها حزبُه في الانتخابات التَّشريعية لسنة 2021.
وقد سبق لهذا الحزب أن حصلِ على صدارة الانتخابات التَّشريعية لولايتين مُتتاليتين بأكثر من مائة مقعد سنتي 2011 و 2016.
في الحقيقة، إن هذه التصريحات للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عوض أن تُرجٍعَ للحزب مكانتَه في المشهد السياسي المغربي، فإنها أساءت وتُسيء له. والسبب هو أن هذه التصريحات غير المتَّزِنة والتي تنقصها الرزانة la sérénité والعقلانية la rationalité.
والغريب في الأمر أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ماضٍ في تصريحاتِه المُسيئة لحزبه، ضارباً عرض الحائط كل الانتقادات les critiques التي تلقاها، هو نفسُه، أو حزبُه.
هذه المرة تجاوز الشعبَ المغربي الذي كان قد وصفه ب"المِكروبات"، حيث انتقلت تصريحاتُه من هذا الشعب إلى مستشاري الملك، محمد السادس. بل إنه قال، بالحرف، كلمة "القندوح". ونحن، المغاربة، نعرف متى وعلى مَن نطلق هذا المصطلح الذي يحمِل في طياتِه عدمَ النُّضج الفكري أو يُطلَق على شخصٍ يكُبر جسمُه وسِنُّه لكن عقلَه يبقى ضعيفَ التفكير والبُعد. هذا النوع من البشر، إن كان، فعلاً، "قَنْدوحاً"، فإنه يتصرَّف بتهَوُّر، دون أن يحسبَ ما لكلامه من وزنٍ ثقيلٍ ومن تأثيرٍ، ليس فقط، على الرأي العام المغربي، وبالضبط، على المؤسسة الملكية التي اختارته بعناية ليكون مُستشاراً لها.
بالله عليكم، هل هذا النوع من الكلام غير المسؤول وغير الرزين، يليق برجل دولة سبق له أن كان رئيسا للحكومة، من سنة 2011 إلى 2016 ويرأس حزباً سياسياً سبق له أن ترأسَ الحكومةَ لولايتين متتاليتين؟
ما أعرِفه أنا، شخصيا، أن رجالَ ونساءَ الدولة لهم من الوقار le charisme ما يكفي للترفُّع عن مثل هذه التصرُّفات المُنحطة والتي لا تليق، بتاتاً، برجال ونساء الدولة.
فإن وصف الأمين العام لحزب العدالة والتَّنمية بعضَ مستشاري ملك البلاد ب"القنادح"، فهذا يعني أن اللومَ موجَّهٌ للمؤسسة الملكية التي لم تُحسِن اختيارَ مستشاريها. علماً أنه لا يُعقل أن يتمَّ اختيارُ مستشاري رئيس دولة بعشوائية sans précautions préalables، لأن الأمرَ يتعلَّق بتسيير gestion بلدٍ بأكملِه. ولا داعيَ للقول أن اختيارَ مستشاري رئيس الدولة له مواصفاتُه التي يمكن تلخيصُها فيما يلي :
1.خِبرة الحياة الاجتماعية والاقتصادية الواسعة une large expertise sociale et économique.
2.الولاء أو الوفاء للمؤسسة الملكية، قلباً وقالباً، لأن المسؤولية كبيرة ولا يمكن لهذه المؤسسة أن تختارَ غير الأوفياء لها.
3.أن يكونَ المستشارُ واسعَ الاطِّلاع على الأمور الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأن تكونَ له، بمعرفته لهذه الأمور، ثقة عالية بنفسه.
4.أن يكونَ المستشارُ متوفِّرا على شبكة واسِعة من العلاقات، على المستوى الوطني والدولي. ولو أخذنا كل مستشاري رئيس الدولة، محمد السادس، العاملين في الديوان الملكي، فإنهم، كلهم، يتوترون على هذه الميزة.
5.الكِتمان التام la discrétion totale لما جرى ويجري من استشارات بين رئيس الدولة ومستشاريه
عبد الإله بنكيران، كرجل دولة، سبق له أن ترأس حكومةَ بلاده، طيلة خمس سنوات، لا يمكن، على الإطلاق، أن يكونَ جاهلا بهذه المواصفات. بل إنه ضرب بها عرض الحائط، مُحاولةً منه أن يستغلَّها لزرع الفوضى والتشويش في المشهد السياسي المغربي، وبالتالي، كسب أصوات الناخبين المغارِبة في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة.
ما لم ينتبه إليه الأمين العام لحزب العدالة والتَّنمية، هو أن تصريحاتِه "سيف ذو حدين"، أي من الممكن أن تُوفِّر لحزبه أصواتاً في الانتخابات التَّشريعية المُقبِلة، كما يمكن تُضيِّع من نفس الحزب أصواتاً أخرى. وعوض أن يُركِّزَ تصريحاتِه على ما يجلُب لحزبه الأصواتَ، فإنه اختارَ الانتقادَ من أجل الانتقاد الذي قد لا يخدم مصالِحَ حزبِه.
وما لم ينتبه إليه الأمين العام لحزب العدالة والتَّنمية، أساساً، أو تغاضى عنه، هو أن الشعبَ المغربي ينضج، سياسياً، أكثر فأكثر من فترة انتٍخالية تشريعية إلى أخرى. وأن هذا الشعبَ، بحكم نُضجِه السياسي، أصبح واعِياً بأن الأحزاب السياسية لا تمثِّله، وأن الكتلة الناخبة قليلة، بالمقارنة مع المغاربة (رجالاً ونساءً) الذين لهم الحقُ في التصويت والمُسجَّلين في اللوائح الانتخابية، والذي يبلغ عددُهم ما يفوق 15 مليون نسمة. ناهيك عن الناس الذين لهم الحق في التصويت ولم يُسجلوا أنفسَهم في اللوائح الانتخابية إذ قد يبلغ عددُهم ما يفوق 20 مليون نسمة، علما أن القلة القليلة، هي التي لا تزال تثِق في الأحزاب السياسية، وتذهب إلى صناديق الاقتراع، لتصوِّت لصالِحها.
وهنا فلينظر الأمين العام لحزب العدالة والتَّنمية إلى ما جرى ويجري في العالم القروي من انتفاضات سببُها الجفاف وتغيير المناخ وتضييق فرص الشغل… أليس هذا نُضجٌ سياسي؟
ما قلتُه في المقالة التي أشرتُ لها أعلاه، يبقى ساريَ المفعول، ما دام عبد الإله بنكيران وسَّع نطاقَ تصريحاتِه، حيث انتقلت هذه التَّصريحات من سبِّ وشَتمِ الشعب المغربي إلى انتقاد مستشاري الملك الموجودين بالديوان الملكي. علما أن المؤسسة الملكية هي الضامن لوحدة البلاد واستقرارِها.
فكيف للأمين العام لحزب العدالة والتَّنمية أن يوجِّهَ لومَه لها، من خلال انتقاد أسمى نُخبة استشارية، موجودة بالديون الملكي؟






