مجتمع وحوداث

الرقابة الدستورية تحت حرج السياق

حسن التايقي

يعيد قرار المحكمة الدستورية بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة إلى الواجهة إشكالية دقيقة في القضاء الدستوري، تتعلق بما يمكن تسميته بـالحرج السياسي للقاضي الدستوري. فالمحكمة الدستورية، رغم مكانتها السامية داخل البناء الدستوري والمؤسساتي، ورغم ما تتمتع به قراراتها من حجية مطلقة وعدم قابليتها للطعن، تظل بحكم طبيعة اختصاصها قائمة عند نقطة تماس حساسة بين القانون والسياسة.

فالقاضي الدستوري لا يفصل، من حيث الأصل، في نزاع سياسي، وإنما يراقب احترام الدستور وسلامة القواعد والمساطر المؤطرة للإنتاج التشريعي، غير أن هذه الرقابة قد تنصب في بعض الأحيان على نص يوجد في قلب خلاف سياسي أو مهني أو اجتماعي، بما يجعل القرار الدستوري، مهما استند إلى اعتبارات قانونية خالصة، عرضة لقراءات وتأويلات تتجاوز أحيانا منطقه القانوني الصرف.

ويزداد هذا الحرج عندما يتعلق الأمر بنص تشريعي أثار خلافا بين الحكومة والفئة المهنية المعنية به، كما هو الحال بالنسبة لمشروع قانون مهنة المحاماة، في ظل التوتر القائم بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول عدد من اختياراته ومقتضياته.

ومن هذه الزاوية، تكتسي الشكليات والإجراءات المرتبطة بالإحالة على المحكمة الدستورية أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها شروطا قانونية يتعين احترامها، ولكن أيضا باعتبارها ضمانة لسلامة الرقابة الدستورية ومصداقيتها.

وفي هذه النازلة، لا يتعلق التساؤل بحق المحكمة في التثبت من استيفاء الإحالة لشروطها الشكلية والإجرائية، فهذا يدخل في صميم وظيفتها، وإنما يتعلق أساسا بـالعامل الزمني، أي بالمدة التي استغرقتها قبل الوقوف على أن رسالة الإحالة لم تكن مرفقة بنسخة مطابقة للأصل من النص المصادق عليه من قبل مجلس المستشارين.

وهنا تحديدا تبرز حساسية الزمن في القضاء الدستوري، فحسب جانب من الفقه الدستوري، الزمن ليس دائما عنصرا محايدا، خصوصا عندما يكون النص المعروض على المحكمة موضوع نزاع مفتوح بين السلطة الحكومية والفئة المهنية المعنية به.

 لذلك، فإن توقيت إثارة العيب الشكلي قد يصبح بدوره جزءا من النقاش، ويفتح المجال لتأويلات تتجاوز البعد القانوني والإجرائي للقرار.

وتقدم هذه الحالة، بهذا المعنى، نموذجا دالا على الحرج الذي قد يجد فيه القاضي الدستوري نفسه، ليس بسبب طبيعة وظيفته القضائية، وإنما بسبب السياق السياسي والمهني المحيط بالنص المعروض عليه، وبسبب ما يمكن أن يترتب عن قراره من قراءات ومواقف متباينة.


ومهما ما يثار من حرج سياسي للقضاء الدستوري من جهة، ومن تأويلات قد تصدر من قبل الفئة المهنية المعنية بأحكام القانون موضوع المراقبة الدستورية، تبقى الوظيفة المركزية للقضاء الدستوري هي التقيد الصارم بالقواعد الدستورية والإجرائية، والبقاء بمنأى عن تداعيات الصراع السياسي والاجتماعي والمهني المحيط بالنص.