بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إحداث الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الوكالة قد أنجزت مشاريع أو عبأت موارد مالية. هذه أمور ثابتة ولا يمكن إنكارها. السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تتحول هذه المشاريع والموارد إلى تحول اقتصادي واجتماعي وبيئي واضح في المجالات التي تشرف عليها الوكالة؟
هل يتعلق الأمر بضعف التمويل؟ أم بسوء الاختيارات الاستراتيجية؟ أم بمشكل في الحكامة وتعدد المتدخلين؟ أم أن الاختلال يكمن في مجموع هذه العناصر؟
الجواب الأقرب إلى الواقع هو أن الوكالة لا تعاني من مشكل واحد، بل من منظومة اختلالات مترابطة. غير أن هذه الاختلالات ليست متساوية في الوزن. فضعف التمويل يمثل جزءاً من المشكلة، لكن المشكل الأعمق يكمن في الحكامة، وفي طبيعة الاستراتيجية المعتمدة، وفي عدم وضوح المسؤولية عن النتائج.
وكالة أحدثت لمهمة استثنائية
أحدثت الوكالة بموجب القانون رقم 06.10، في سياق اتسم بتزايد هشاشة المجالات الواحية ومجالات انتشار شجر الأركان، وارتفاع مخاطر التصحر، وندرة المياه، وضعف التجهيزات، واتساع الفوارق المجالية.
ولم يمنحها القانون مهمة قطاعية ضيقة، بل كلفها بإعداد برنامج شامل للتنمية، بتنسيق مع السلطات الحكومية والمنتخبين والهيئات المعنية، والسهر على تنفيذه وتتبع إنجازه وتقييمه. كما شملت مهامها التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والبشرية. (Andzoa)
وبالتالي فإن الوكالة لم تُحدث لتكون مجرد إدارة لتمويل المشاريع، أو وسيطاً بين الوزارات والجماعات، بل يفترض فيها أن تكون قائداً استراتيجياً لتنمية مجال ترابي واسع ومعقد.
لكن التجربة أظهرت أن الفرق كبير بين ما يمنحه القانون من أدوار وبين ما تستطيع الوكالة فعله في الواقع.
أولاً: هل تعاني الوكالة من ضعف التمويل؟
من السهل تفسير محدودية النتائج بضعف الموارد المالية، خصوصاً أن مجال تدخل الوكالة شاسع ويغطي مناطق متباعدة تعاني حاجيات كبيرة في الماء والطرق والصحة والتعليم والاستثمار.
لكن الأرقام المتاحة لا تسمح باعتبار التمويل السبب الرئيسي الوحيد.
فبين سنتي 2012 و2022، بلغ مجموع الاستثمارات العمومية المنجزة أو المعبأة داخل مجال تدخل الوكالة أكثر من 125 مليار درهم. وارتفع الرقم إلى أكثر من 143 مليار درهم خلال الفترة 2012-2023، وفق الحصيلة المقدمة أمام أجهزة حكامة الوكالة. (Aujourd’hui le Maroc)
كما تشير معطيات أحدث إلى تجاوز الاستثمارات العمومية المعبأة داخل المجال 153 مليار درهم خلال الفترة 2012-2024. (Lebrief)
نحن إذن لسنا أمام مجال لم يستفد من أي تمويل. بل أمام مجال تدفقت إليه اعتمادات ضخمة من الوزارات والمؤسسات العمومية والجماعات والجهات والتعاون الدولي.
لكن هنا تظهر نقطة منهجية أساسية: هذه المبالغ ليست كلها ميزانية خاصة بالوكالة، ولا تعني أن الوكالة قررت في كيفية إنفاقها أو وجهتها وفق استراتيجية موحدة. إنها في جزء كبير منها مجموع استثمارات قطاعات متعددة تمت داخل مجال تدخلها.
وهذا يعني أن الإشكال ليس في حجم الأموال فقط، بل في ثلاثة أمور:
* مدى قدرة الوكالة على توجيه هذه الأموال؛
* درجة التقائية البرامج الممولة؛
* والعائد التنموي الحقيقي لكل درهم تم إنفاقه.
فقد تكون الموارد مهمة من حيث الحجم، لكنها موزعة على مشاريع قطاعية متفرقة لا ينتج عنها تحول ترابي متكامل.
لذلك يمكن القول إن الوكالة تعاني من محدودية الموارد الذاتية والمرنة، لكنها لا تعاني بالضرورة من غياب مطلق للتمويل داخل مجالها.
المشكل الحقيقي أن الجزء الأكبر من التمويل لا يخضع لسلطتها المباشرة، بل لقرارات وزارات ومؤسسات وشركاء آخرين.
ثانياً: الاختلال الأساسي هو اختلال الحكامة
الحكامة هي الحلقة الأضعف في نموذج الوكالة.
فالقانون منحها مهمة التنسيق، لكنه لم يمنحها سلطة فعلية لإلزام القطاعات الحكومية أو الجهات أو الجماعات باحترام برنامج تنموي موحد.
الوزارة تحتفظ بميزانيتها وأولوياتها.
الجهة تضع برنامج التنمية الجهوية الخاص بها.
الجماعة تحدد حاجياتها ومشاريعها.
المؤسسات العمومية تنفذ برامجها وفق منطقها القطاعي.
أما الوكالة فمطالبة بتحقيق التقائية الجميع، لكن دون أن تتوفر دائماً على أدوات قانونية ومالية ملزمة.
وهكذا تجد نفسها مسؤولة نظرياً عن تنمية مجال شاسع، لكنها لا تتحكم إلا في جزء محدود من الموارد والقرارات التي تحدد مستقبل هذا المجال.
هذه وضعية مؤسساتية غير سليمة.
فلا يمكن تحميل مؤسسة مسؤولية نتائج اقتصادية واجتماعية وبيئية لا تتحكم في معظم وسائل تحقيقها.
والنتيجة هي ظهور نوع من المسؤولية الموزعة: كل مؤسسة تساهم في مشروع، لكن لا توجد مؤسسة واحدة تتحمل بصورة واضحة مسؤولية النجاح أو الفشل.
عندما تتحسن المؤشرات، ينسب النجاح إلى التقائية المتدخلين.
وعندما يستمر الفقر أو الهجرة أو التدهور البيئي، يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة.
هذه الحكامة تنتج كثرة الاجتماعات والاتفاقيات واللجان، لكنها لا تنتج بالضرورة قرارات سريعة ومندمجة.
ثالثاً: غموض العلاقة بين الوكالة وأجهزة حكامتها
تتوفر الوكالة على مجلس إدارة ومجلس للتوجيه الاستراتيجي، وتعرض أمامهما الحصيلة وبرامج العمل والميزانيات والتوجهات المستقبلية.
وقد تمت، خلال سنة 2024، المصادقة على برنامج العمل المتوسط المدى 2024-2026 وميزانية سنة 2024، كما تم عرض حصيلة استراتيجية 2012-2022 والتوجهات الجديدة في أفق 2030. (Andzoa)
لكن السؤال لا يتعلق فقط بانعقاد المجالس والمصادقة على الوثائق، بل بمدى ممارسة أجهزة الحكامة لأدوارها في:
* تقييم النتائج بصورة نقدية؛
* مساءلة الإدارة عن التأخر أو ضعف الأثر؛
* مراجعة الاختيارات غير المجدية؛
* والتحقق من احترام البرنامج الشامل للتنمية.
لا تتوفر للعموم معطيات كافية حول طبيعة النقاش داخل هذه الأجهزة، أو القرارات التصحيحية المتخذة، أو مدى تنفيذ التوصيات السابقة.
وتظهر البيانات الرسمية عادة في صيغة إبراز المنجزات، لا في صيغة تقييم متوازن يوضح النجاحات والإخفاقات والتأخر والمخاطر.
وهذا يجعل أجهزة الحكامة أقرب، في الصورة المنشورة، إلى أجهزة للمصادقة والتوجيه العام منها إلى أجهزة حقيقية للمساءلة الاستراتيجية.
رابعاً: المشكلة في طبيعة الاستراتيجية نفسها
الوكالة اعتمدت استراتيجية للفترة 2012-2022، ثم قدمت خطوطاً توجيهية لاستراتيجية جديدة في أفق 2030، تقوم على ثلاثة محاور:
* تعزيز صمود المجالات والأنظمة البيئية أمام التغير المناخي؛
* تحسين الرفاه الاجتماعي للسكان؛
* وتنويع اقتصاد مجال التدخل وتوجيهه نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة. (Andzoa)
هذه المحاور سليمة من حيث المبدأ، لكن صياغتها واسعة جداً، ويمكن أن تعتمدها تقريباً أي وكالة تنمية ترابية.
الإشكال ليس في جمالية الأهداف، بل في درجة ترجمتها إلى اختيارات واضحة.
فالاستراتيجية الحقيقية ليست لائحة أهداف عامة. الاستراتيجية تعني تحديد الأولويات والاختيارات والتضحيات.
هل الأولوية القصوى هي الأمن المائي؟
هل هي وقف الهجرة؟
هل هي خلق أقطاب اقتصادية جديدة؟
هل هي إنقاذ الواحات الأكثر تعرضاً للاندثار؟
هل هي تثمين التمور والأركان؟
هل هي تحسين الخدمات الاجتماعية؟
عندما تكون كل القضايا ذات أولوية، تصبح الأولوية بلا معنى.
ويبدو أن تدخل الوكالة ظل موزعاً بين عدد كبير من القطاعات والمشاريع، من الصحة والتعليم والطرق إلى التعاونيات والمنتجات المجالية والبيئة والماء، دون ظهور عدد محدود من التحولات الكبرى القادرة على إعادة تشكيل اقتصاد هذه المناطق.
خامساً: غلبة منطق التجهيز على منطق التحول
حققت مناطق تدخل الوكالة تحسناً ملحوظاً في البنيات والخدمات الأساسية.
فقد ارتفعت نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب من حوالي 79.7% سنة 2012 إلى نحو 95.9% سنة 2022، وارتفعت الكهربة القروية من نحو 95% إلى أكثر من 99.6%، كما تحسن فك العزلة الطرقية من حوالي 72% إلى أكثر من 87%. وارتفعت معدلات التمدرس في مختلف الأسلاك. (EcoActu)
هذه نتائج مهمة، ولا ينبغي التقليل من شأنها.
لكن معظمها يدخل ضمن تعميم الخدمات الأساسية الذي عرفه المغرب ككل، وتم إنجازه بواسطة وزارات ومؤسسات وطنية متعددة.
المشكل أن تحسن التجهيزات لم يواكبه بالضرورة تحول اقتصادي بالمستوى نفسه.
فالطريق والماء والكهرباء شروط ضرورية للتنمية، لكنها لا تصنع تلقائياً اقتصاداً محلياً منتجاً.
قد تصبح القرية مجهزة، لكن شبابها يغادرونها بسبب غياب فرص الشغل.
قد يصل الماء إلى السكان، لكن الواحة تفقد مواردها الجوفية.
قد تُحدث التعاونيات، لكن القيمة المضافة الأساسية تظل لدى الوسطاء والمصدرين.
ومن هنا يمكن القول إن المرحلة الأولى من عمل الوكالة ركزت بدرجة كبيرة على تدارك الخصاص الاجتماعي والتجهيزي، بينما لم تنجح بالقدر نفسه في بناء نموذج اقتصادي محلي قادر على الاستمرار.
سادساً: هل تحسن الاقتصاد فعلاً؟
تعلن حصيلة الوكالة ارتفاع الناتج الداخلي الخام لمجال تدخلها من حوالي 96 مليار درهم سنة 2012 إلى 145 مليار درهم سنة 2021، ثم إلى نحو 163 مليار درهم سنة 2023. كما تم الإعلان عن خلق أكثر من 123 ألف منصب شغل بين 2013 و2022. (Le Reporter Express)
وتشير معطيات 2012-2024 إلى ارتفاع الناتج إلى نحو 171 مليار درهم، وارتفاع متوسط الدخل الفردي من 18,721 إلى 30,585 درهماً. (Lebrief)
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى حذر.
أولاً، ارتفاع الناتج الداخلي الخام بالقيمة الجارية لا يعني بالضرورة ارتفاعاً مماثلاً بالقيمة الحقيقية، لأن جزءاً من الزيادة قد يرجع إلى التضخم.
ثانياً، مجال الوكالة يضم مدناً وأقطاباً اقتصادية وسياحية وفلاحية مهمة؛ وبالتالي فإن نمو الناتج لا يمكن نسبه بصورة مباشرة إلى تدخل الوكالة.
ثالثاً، رقم فرص الشغل يحتاج إلى توضيح منهجي: هل يتعلق بوظائف صافية أم إجمالية؟ دائمة أم مؤقتة؟ مباشرة أم غير مباشرة؟ وما توزيعها الترابي والقطاعي؟
رابعاً، لا يكفي ارتفاع متوسط الدخل إذا استمر التفاوت بين المدن والمناطق القروية، أو بين الأقاليم، أو إذا تركزت الثروة في عدد محدود من الأنشطة والمراكز.
إذن المؤشرات المتاحة تظهر وجود تحسن اقتصادي داخل المجال، لكنها لا تثبت وحدها حدوث تحول اقتصادي سببي ناتج عن الوكالة.
سابعاً: ضعف منظومة قياس الأثر
هذه هي إحدى أكثر نقاط الضعف خطورة.
الوكالة تعرض مؤشرات مثل:
* حجم الاستثمار العمومي؛
* نسبة الولوج إلى الماء والكهرباء؛
* معدل الفقر؛
* الناتج الداخلي الخام؛
* عدد الوظائف؛
* وعدد المشاريع.
لكن هذه المؤشرات تخلط بين ثلاثة مستويات مختلفة:
1. مؤشرات تخص الوضع العام للمجال؛
2. مؤشرات ناتجة عن تدخل مجموع السياسات العمومية؛
3. مؤشرات يمكن نسبها مباشرة إلى مشاريع الوكالة.
وغياب الفصل بينها يؤدي إلى تضخيم صورة الأثر المؤسسي.
فعندما ينخفض الفقر من 13.4% سنة 2007 إلى قرابة 6% سنة 2022، أو إلى نسب أدنى وفق بعض المعطيات اللاحقة، فإن ذلك يمثل تحسناً حقيقياً في المجال. لكنه لا يعني أن الوكالة هي التي حققت هذا الانخفاض وحدها، خصوصاً أن سنة الأساس تسبق إحداثها، وأن الفترة عرفت تدخل برامج اجتماعية ووطنية متعددة. (Aujourd’hui le Maroc)
التقييم العلمي يتطلب المقارنة بين:
* جماعات استفادت بقوة من تدخل الوكالة؛
* جماعات استفادت بدرجة أقل؛
* ومجالات مشابهة خارج نطاقها.
كما يتطلب قياس الوضع قبل المشروع وبعده، وعزل أثر العوامل الوطنية والمناخية والاقتصادية الأخرى.
ولا يظهر أن هذا النوع من تقييم الأثر السببي ينشر بانتظام للعموم.
ثامناً: التمويل موجود، لكن بنيته غير ملائمة
المشكل المالي الحقيقي لا يتعلق فقط بالحجم، بل بالبنية.
الوكالة تعتمد على:
* ميزانية الدولة؛
* مساهمات الشركاء؛
* اتفاقيات مع القطاعات والجهات؛
* وبرامج التعاون الدولي.
وقد تمكنت الوكالة وشركاؤها من تعبئة نحو 3.92 مليارات درهم في إطار الشراكات والتنمية القروية والتعاون الدولي خلال حصيلة 2012-2022. (EcoActu)
لكن هذا النموذج يجعل التمويل:
* مجزأً؛
* مرتبطاً بموافقات متعددة؛
* غير مضمون على المدى المتوسط؛
* وخاضعاً لمنطق المشاريع أكثر من منطق النتائج.
كما أن الوكالة لا تتوفر، حسب ما يظهر من بنيتها الحالية، على صندوق ترابي قوي ومرن يسمح لها بتوجيه الموارد بسرعة نحو المناطق الأكثر هشاشة أو نحو الأزمات المناخية الطارئة.
لذلك، فالوكالة ليست فقيرة من حيث الأموال التي تمر داخل مجالها، لكنها ضعيفة من حيث القدرة على التحكم الاستراتيجي في التمويل.
وهذا فرق أساسي.
تاسعاً: التأخر في وضع استراتيجية جديدة مؤشر على ضعف التخطيط
انتهت الاستراتيجية الأولى سنة 2022. وبعد ذلك تم اعتماد برنامج عمل 2024-2026، وعرض التوجهات العامة لاستراتيجية أفق 2030.
لكن الانتقال بين المرحلتين لم يكن بالوضوح المطلوب.
كان يفترض، قبل نهاية استراتيجية 2012-2022، إنجاز تقييم مستقل شامل، ونشر نتائجه، ثم إعداد استراتيجية جديدة مبنية على ما نجح وما فشل.
كما كان يفترض أن تنطلق استراتيجية 2023-2030 بوثيقة واضحة ومصادق عليها ومنشورة، تتضمن أهدافاً كمية ومؤشرات وتمويلاً وجدولة ومسؤوليات.
أما الاكتفاء بعرض «خطوط توجيهية» أو «رؤية 2030» وبرامج عمل متوسطة المدى، فيثير سؤالاً حول التسلسل الصحيح للتخطيط:
هل تنبثق برامج العمل من استراتيجية نهائية؟
أم أن الاستراتيجية يعاد بناؤها بعد المصادقة على البرامج؟
هذا الاضطراب ليس شكلياً، بل يؤثر مباشرة في ترتيب الأولويات وتوزيع الموارد.
عاشراً: أزمة الماء تكشف حدود النموذج
منذ تأسيس الوكالة، تغير السياق المناخي بصورة عميقة.
الجفاف أصبح متكرراً.
الفرشات المائية تتعرض لضغط متزايد.
الحرائق والتصحر وتراجع الغطاء النباتي تهدد استمرار الواحات ومجالات الأركان.
وقد أدرجت الوكالة الصمود المناخي في رؤيتها الجديدة، كما أنجزت وشركاؤها منشآت لتجميع مياه الأمطار وإعادة تغذية الفرشات المائية. وتشير معطيات سنة 2025 إلى إنجاز منشآت لتجميع أكثر من 31 ألف متر مكعب من المياه وإحداث 102 جهاز لإعادة تغذية المياه الجوفية. (Lebrief)
لكن السؤال هو: هل تكفي هذه المشاريع أمام حجم الخطر؟
الماء لا ينبغي أن يكون محوراً بين محاور متعددة، بل يجب أن يصبح القيد الحاكم لكل الاختيارات الاقتصادية والفلاحية والعمرانية.
لا يمكن للوكالة أن تشجع الاستثمار أو توسيع بعض الأنشطة الفلاحية دون احتساب ميزانية مائية لكل إقليم وواحة.
ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة إذا كانت المؤشرات الاقتصادية تتحسن على حساب استنزاف المياه الجوفية.
إن غياب سلطة فعلية للوكالة في التخطيط المائي يجعلها عاجزة عن معالجة أصل الأزمة، حتى لو مولت عشرات المشاريع المحلية.
الحادي عشر: هل المشكل في الكفاءات؟
لا تتوفر أدلة تسمح باتهام أطر الوكالة بعدم الكفاءة، بل إن الوكالة راكمت خبرة في التعاون الدولي، وإدارة المشاريع، والأنظمة البيئية، والتنمية القروية.
المشكل أعمق من الأشخاص.
يمكن لأفضل الكفاءات أن تفشل داخل بنية مؤسساتية غير واضحة المسؤوليات، وباستراتيجية واسعة أكثر من اللازم، وموارد مالية مجزأة، ومنظومة تقييم لا تقيس الأثر الحقيقي.
لذلك فإن تغيير المسؤولين دون تغيير القواعد لن ينتج نتائج مختلفة جذرياً.
التشخيص النهائي: أربعة اختلالات ولكن بترتيب واضح
يمكن ترتيب أسباب محدودية الأثر كما يلي:
1. اختلال الحكامة: السبب الجذري
يتمثل في عدم تناسب المسؤولية مع السلطة، وتعدد المتدخلين، وغياب الإلزام، وعدم وضوح المسؤول عن النتائج.
2. ضعف الاختيار الاستراتيجي
يتمثل في اتساع الأهداف، وتشتت الأولويات، وغلبة منطق معالجة الخصاص على بناء تحول اقتصادي ومائي متكامل.
3. قصور منظومة التقييم
يتمثل في قياس حجم الإنجاز بدل قياس الأثر، ونسب تطور المجال إلى الوكالة دون عزل مساهمة القطاعات والبرامج الأخرى.
4. محدودية التمويل المرن
لا يتعلق الأمر بانعدام التمويل، بل بعدم تحكم الوكالة في الجزء الأكبر منه، وغياب آلية مالية مستقلة ومبنية على النتائج.
وبالتالي، فالتمويل هو أحد القيود، لكنه ليس أصل المشكلة.
لو تمت مضاعفة الموارد في ظل الحكامة والاستراتيجية نفسيهما، فقد نحصل على مشاريع أكثر، لكن ليس بالضرورة على أثر أكبر.
ما الإصلاح المطلوب؟
الوكالة تحتاج إلى إصلاح من الجيل الثاني، وليس مجرد رفع ميزانيتها.
أولاً: مراجعة القانون رقم 06.10
ينبغي تحديد سلطات الوكالة بدقة، وإلزام القطاعات والجهات بإدماج البرنامج الشامل للتنمية في ميزانياتها وبرامجها.
ثانياً: إقرار عقد-برنامج وطني
يوقع بين الدولة والوكالة والجهات والقطاعات المعنية، ويحدد التمويل والمسؤوليات والمؤشرات والآجال.
ثالثاً: تحويل البرنامج الشامل إلى وثيقة ملزمة
لا ينبغي أن يبقى وثيقة توجيهية، بل مرجعاً قانونياً وبرامجياً لكل تدخل عمومي داخل مجال الوكالة.
رابعاً: إنشاء صندوق لتنمية الواحات والأركان
يمول بمساهمات الدولة والجهات والتعاون الدولي والتمويل المناخي، وتربط اعتماداته بنتائج محددة.
خامساً: جعل الأمن المائي أولوية حاكمة
كل مشروع يجب أن يخضع لتقييم مائي ومناخي قبل اعتماده.
سادساً: اعتماد استراتيجية 2027-2035
بأهداف قليلة وواضحة:
* استدامة الماء؛
* وقف تدهور الأنظمة البيئية؛
* خلق فرص شغل محلية؛
* رفع دخل الأسر؛
* وتقليص الهجرة القسرية.
سابعاً: فرض تقييم مستقل كل ثلاث سنوات
ينشر للعموم ويبين الفرق بين:
* منجزات الوكالة المباشرة؛
* مساهمتها في مشاريع الشركاء؛
* والتطور العام للمجال.
ثامناً: نشر لوحة قيادة ترابية
تتضمن مؤشرات كل إقليم وجماعة في الماء والدخل والتشغيل والفقر والهجرة والتعليم والصحة والبيئة.






