فن وإعلام

أحمد بلبداوي شاعراً أصيلا ومختلفاً

محمد بودويك (كاتب)

منذ ديوانه الشعري الغريب: "سبحانك يا بلدي"، والغريب حبيب على كل حال، اختطَّ أحمد بلبداوي لشعره الطريق الانفرادي، واستَنَّ سنة لا يزال يتبعها، ووضع كوى لألأةً لا يني يتقفاها، ويسير وفقها من دون أن يعيا بصره وقدمه، ومن دون أن يشكوَ وعثاء السفر، وشوك الإهمال والتهميش.

أفق تجربة أحمد، أفق شخصي، وأفق موصول ـ في الوقت ذاته ـ ببناة وأسلاف كبار عبدوا الطريق، وألهموا الوارثين سر التعبيد والتعميد.

"حتى يورق ظل أظافره"، و"تفاعيل كانت تسهر تحت الخنصر"، وصولا إلى كتابه الشعري: " حين فرَّ يوم الإثنين"، وغيره، تشتعل تجربة متفردة، وخبرة شعرية وخطية تسندهما ثقافة فنية، وثقافة شعرية تراثية وحديثة معاصرة. علاقة أحمد بلبداوي منذ فترة "الثقافة الجديدة" بالخط واليد، علاقة غرام وهيام تبلورت منذ أن كتب أول نص، واستمرت متبلورة في جميع أعماله الشعرية، في تلك التي ذكرت للتو، وفي أخريات، وفي ما يكتبه الآن. هي علاقة حبرية خطية يدوية (كاليغرافية) جرب، من خلالها، القول الجديد، والصحبة الروحية والوجودية مع الشعر واليد التي تكلم عنها "القلقشندي"، فأثمرت ما أثمرت، وتحصل منها خير عميم، وفضل كبير على الشعر المغربي بَلْهَ العربي المعاصر. ولا يحاجج في الأمر إياه إلا ملتاث أو دَعِيٌّ أو حاسد، أو مكابر.


نعتت تجربة أحمد بلبداوي، إلى جانب تجارب صاحبيه الشاعرين: " محمد بنيس"، و"عبد الله راجع"، بالتجربة الكتابية الخطية، التجربة الكاليغرافية التي حرصت على الاحتفاء بالعين والحيز والمكان، بحفيف البياض وبلاغة الصمت، بعيدا عن ضجيج الصوت. تجربة وجدت مرتعها في ما يبهج البصر، ويشرح القلب والنظر، ويعيد الاعتبار للخط المغربي والأندلسي، وأحيانا الكوفي والشامي، فكأنها تقول بسان الحال: إن الخصوصيةَ تقوم على الهوية من دون انغلاق. وتقوم على التَّركَة والموروث التاريخي للأسلاف، ولشعر الأسلاف في الأندلس وفي المغرب الذين عُنُوا بالتجميل والزخرفة والزركشة والتفويف، والتعشيق، والتشجير، والتزهير والتنجيم. تلك كانت لحظة تأسيس، لحظة بحث عما يفارقنا ويثرينا، ويفردنا، ويميزنا، ولحظة حرقة وعتْ ما كنا فيه من تخلف وتأخر شعري وثقافي مقايسة بمصر والشام والعراق.


لم يركب أحمد موجة النبش والتحديث والكاليغراف، رغبةً في الركوب والظهور والاستعراض، وطمعا في الشهرة لا غير، وانتصارا ودعما للزملاء فقط، بل ركبها بعدما أعد الركاب جيدا، واستعد للمضمار كما يوجِبُ الاستعداد، وأسرج فرسه المنجردة ليهمز الأوابد والعوائد، ويسبح بها بين الأرض والسماء، معلنا انحيازه الكامل والواعي، والمفكر فيه، إلى الخط.. الخط المغربي، خط يده تحديداً، وخطه المغربي كخوذة أسطورية تحمي هامة كتاباته.

يقول: (حينما أكتب القصيدة بخط يدي، فإنني لا أنقل إلى القاريء معاناتي فحسب، بل أنقل إليه حركة جسدي. أنقل إليه نبضي مباشرةً، وأدعو عينيه للاحتفال بحركة جسدي على الورق. يصبح المداد الذي يرتعش على البياض كما لو أنه ينبع من أصابعي مباشرة.. لا من القلم).


فنقل النبض إلى النص، ونقل حركة الجسد إليه من خلال ارتعاشات القلم بَلْهَ الأصابع إلى النص، دعوة للعين إلى التسري والابتهاج، والبؤبؤ إلى الإشراق والإيماض، ودعوة إلى الجسد ليتحد بالجسد في انصهار عشقي، وتوحد صوفي وجداني، دعوة تعني: الحلول والتماهي، والانقذاف في صميم لعبة الكتابة، وهندسة الحروف والكلمات والجمل، والمقاطع ةوالفقرات، والأبيات، والأشطار. ودم الحبر العابق والتسري برذاذ الألوان الخام، والألوان الطيفية، والحبر الخفاق المرتعش كفرخ مبلول، كصفحة ماء يحركها جناح خطاف، أو منقار عندليب هناك، في دغل النص البهي الكثيف، يسرقك الشعري من نفسك، ويختطفك السردي من شرودك، والخط المموسق من ترددك، في رحلة قيامية ذهابا وإيابا، شاقوليا وأفقيا ودائريا إلى حد الدوخة والانتشاء,

في رسالة موجزة رهيفة كرهافة شعره، نبهني أحمد بلبداوي إلى ضرورة أخذ الكتاب.. كتابه بقوة ـ من السطر إلى السطر ـ أي من البدء إلى الختام، من الغلاف إلى الغلاف. إذْ لا عنونة للكتاب إلا ما كان جملة أو عبارة داخل نص يحيل ويحال عليه. وهي رسالة وضعها طيّ عمله الشعري اللافت: " تفاعيل كانت تسهر تحت الخنصر"، وردت علي بتاريخ 18 ـ 04 ـ 2001، يقول فيها: " هذه المجموعة عنوانها نص كامل ينبغي أن يقرأ انطلاقا من الدائرة الأولى غير المكتملة مروراً بالوسط، فالدائرة الثانية غير المكتملة. وهو إن شئت التبسيط كالآتي: (ولما استوى تماما عل خازوق مفتول غير متقن التشحيم تحت شمس خفيفة، ضم شفتيه على مبسم الخازوق، وطفق ينفخ فيه كناي رضيع آناء يومه تفاعيل كانت تسهر تحت الخنصر مقرفصة عل بهاء شديد اللهجة، وقبل أن يوعز إلى المشيئة بالسعال، أوصى بظل أصابعه وما يرتله الخنصر وديعة لدى أحمد بلبداوي. وعل غلاف الظهر، نص آخر هو عبارة تكملة لما في الداخل بين دفتيْ الغلافين. المجموعة ـ إذن ـ تقرأ من الغلاف إلى الغلاف.)


هذا التنبيه كان ضروريا حتى يتضح المرام من النص كاملا، من النص يبني ويتبنين من الغلاف إلى الغلاف. وآية ذلك أن القفز على الغلاف أو إسقاط لدلالة الخازوق المخترقة للنص من ألفه إلى يائه، وما بعد يائه، أي إلى عمله الشعري كاملا:" حتى يورق ظل أظافره ".


لم يحقق شاعر آخر ـ في ظني ـ المعادلة الصعبة، معادلة الجمع بين الفنين: فن الشعر وفن الكتابة مهندسة و"مهندمة" ما خلا بلبداوي، وإلى حد ما الشاعر الراحل محمد الطوبي. ومن ثم، فهو نسيج وحده كما السرغيني شيخ الشعراء المغاربة، حيث الفكاهة والكوميديا السوداء، والسخرية الضاحكة، والأليغوريا، سيدة الموقف في شعره وشعريته. لكن، بلبداوي ينماز باليد كاتبة، خطاطة ومبدعة، باكية وضاحكة. يد تخط وتُحَبِّرُ. يد تدبج، يد تدبر وتدير: لها الخطوط الأفقية والعمودية والحلزونيات ، واللولبيات، والشاقوليات، والهابطات الصاعدات، الملتفات، اللائثات، عوالم فنية وروحية مرقشة بديعة، ومساكن ـ منازل تتنزلها العين الحاضنة المبتهجة، والوجدان الرؤوم، وهو يرتقي أبراجها، ويهبط سلالمها، ويحاور مغناطيتها، سحرها وجاذبيتها. إنه الجسد في عنفوانه وحمحمته، وفي تصهاله وشطحه وردحه، وفي بوحه ثم صمته.


بالكاليغرافي، ما يعني: بالشكل البصري، دمغ أحمد طفولته المبكرة، واستقر ذلك في لاوعيه إلى أن واتته الفرصة الإبداعية، وزاره جني عبقر، فخرج بكل عنفوانه إلى النور، إلى الصفحة، فلازم أحمد كما لازمه احمد. علوقه بالخط المغربي والأندلسي، والإبهار والتمهير في ممارسته وإتيانه، يجد تفسيره في علوقه بالرسم القرآني الذي أوحى إليه الاطلاع على الرسومات الإبداعية والفنية التاريخية إِنْ عند الأندلسيين، والمخطوطات المغربية الراقدة في مهاوي وأضابير الخزانات والمكتبات والبيوتات، أو عند الغربيين السرياليين، وفي لاطليعتهم "غيوم أبولينير"، وشاعر الفراغ والعدم وانغلاق المعنى "ستيفان مالارمي"، وسواهم.


السجاد المغربي، والتعشيق الزجاجي، والنقش على الصواني، والحفر على الخشب، وتزيين وترقيش الجدران والمساجد والقصور والأضرحة، والأقواس بآي الذكر الحكيم، وأبيات من الشعر الجميل، والمنمنمات طُرّاً، كل ذلك، قاد بلبداوي من يده إلى يده التي راودت وشطبت ومحت، وعاودت الكرَّة حتى استوت يداً تُحَبّرُ الفتنة، وتدبج الجمال، واللغة التي تتواثب حياةً ونبضاً من خلال الخط وهو يخضها ويلاعبها هاربا بها ناحية الفوق، وجهة التحت، يسارا ويمينا ودائريا، فإذا أفلت منه الزمام، أرخى اللجام واستنامَ. وفي كل هذا، نزوع ملحوظ ومقصود نحو الاحتفاء بالعين، وتعطيل الكلام الثرثار، والصوت المهدار. فيه الصمت يلاحق الجسد وهو ينكتب ويتمطى على الصفحة. فيه الجسد يعانق الجسدَ، واللفظة تراقص اللفظة. والحكي يكاتف الحكي، والسخرية النافذة اللاسعة، والنقد الخارم المخترق يصل العظم، ويزيح "القلنسوة" الرثة من على رأس الشعر، ويكشف العري العام الذي تحاول السياسة والأقزام، ستره وإخفاءه، ورشه بالبودرة .. بالمساحيق والكذب الصفيق. وفيه اللجوء ـ أحيانا ـ إلى التصوير السريالي الضاج بالهزل والعزل، والسخرية السوداء الضاحكة والمرة، وتلك أدمغُ مفارقته واختلافه، وتفرده.