قضايا

في دلالة بكاء لاعب كرة القدم

المصطفى سكم

ليس البكاء في نهاية مباراة كرة القدم مجرد انفعال رياضي ، بل يرقى إلى لحظ وجودية دالة تتقاطع فيها حضور الذات، وحدود الجسد، وثقل الزمن، ومعنى الانتماء. في تلك اللحظة، ينكشف اللاعب كما لو أنه يخرج من دور عاشه طوال المقابلة، ليعود إلى هشاشته الأولى. إن ما يبدو للمشاهد/ الشاهد دموعا على الشاشة هو في الحقيقة لحظة سقوط القناع بسقوط الدور، لحظة يلتقي فيها الإنسان بما حاول إخفاءه خلف الأداء، تماما كما تؤد الفلسفات الوجودية من أن الإنسان «يُلقى في العالم ثم يُترك ليواجه انكشافه». انكشاف تجلّى بوضوح في دموع كريستيانو رونالدو بعد إقصاء البرتغال أمام إسبانيا في دور الـ16، حين وقف في الملعب عاجزا عن حبس دموعه، مدركا أن حلمه الأخير في كأس العالم قد انتهى ، وفي دموع ياسين بونو بعد هزيمة المغرب أمام فرنسا في الربع النهائي لكأس العالم 2026، رغم تألقه اللافت وصده لضربة جزاء وإنقاذه مرماه مرات عديدة، كمن يواجه الحقيقة الحتمية رغم أنه فعل كل ما يمكن فعله.

ليس البكاء هنا رد فعل على نتيجة المباراة في حد ذاتها، بل على ما تحمله النتيجة من معنى. فالمباراة ليست زمنا رياضيا فقط، بل زمنا وجوديا مكثّفا؛ كل نهاية مباراة هي نهاية فصل من العمرـ المشروع الإنساني الكامن، نهاية حلم، أو بداية إدراك قاس بأن الزمن يتدفق في مقابل الفيزيولوجيا، وتراجع قوة الجسد. فحين يبكي اللاعب، فهو يبكي الزمن الذي مر ولن يعوض، والفرص السانحة التي لن تعود، واللحظة التي تكشف هشاشة الرياضي. وكأن دموعه تردد صدى أن «ما يسقط يجب أن نساعده على السقوط» وحاجته لعناق يذكره بأن ما يسقط ليست الكرامة وواجب الاحترام، وإن كان اللاعب يبكي لأنه لم يكن مستعدا لسقوط حلمه بهذه السرعة أو بهكذا طريقة. وهذا ما بدا جليا في دموع نيمار بعد خروج البرازيل أمام النرويج، إذ بقي واقفًا في الملعب، محني الرأس، كمن يودع زمنا كاملا لا مباراة واحدة ولنتأمل أيضا لحظة انكشاف بونو، حين وقف بعد المباراة صامتا، تاركا عينيه تقولان إن الحلم كان أكبر من الرغبة و الإرادة، وأن الزمن لم ولن يمهله ليعيد كتابة نهاية جديدة.

إن الجسد الرياضي، الذي ينظر إليه كآلة للإنجاز، يتحول في لحظة البكاء إلى اعتراف بأن الجسد ليس خارقا، بل كائن هشّ يتعب وينكسر ويخون في اللحظة التي يطلب منه أن يكون كاملا، خاصة حين يتساوق مع الإرهاق الذهني وقيود الخوف. هنا يتجلى قول ميرلو-بونتي: «الجسد ليس شيئًا أملكه، بل هو الطريقة التي أكون بها في العالم»« Le corps n"est pas un objet pour le sujet, il est notre expression dans le monde, la manière dont nous sommes au monde ». بكاء اللاعب هو مواجهة بين الإرادة وحدود الجسد، بين ما يريد أن يكونه وما يستطيع أن يكونه بالفعل. وقد تجسّد هذا الصراع في جسد بونو الذي قاوم، قفز، صدّ، وواجه، لكنه في النهاية وقف أمام حقيقة أن الجسد مهما تألق لا يستطيع وحده أن يغيّر مصير مباراة تحمل (وزن) حلم ـ وهم أمة و كما تجسّد هذا الصراع في دموع ليونيل ميسي بعد مباراة الأرجنتين ضد مصر، حين عاش واحدة من أسوأ مبارياته قبل أن يعود في الدقائق الأخيرة ليقلب النتيجة، ثم ينهار باكيا بعد صافرة النهاية، كمنتصر على حدود جسده وتلكؤ دهائه ومشروع وجودي كاد ينفلت منه.

علاوة على ثقل الهوية الجمعية الذي يحمله اللاعب و الشعور بمتطلبات الانتماء، فهو لا يبكي وحده؛ إنه يتخيل من يبكي معه أيضا قد يكون أسرة، وطنا، ذاكرة جماعية مشتركة. إذ تمنح كرة القدم الفرد هوية تتجاوز ذاته، تجعل حضوره ونوعية وقيمة هذا الحضور تحت مجهر تقييم الغير. مما يجعل البكاء في العمق مرآة تحمل لثقل الجماعة، خذلانا أو انتصارا يتجاوز الفرد، وكأن اللاعب في لحظة البكاء يردد دون أن يدري قول سارتر: «الآخرون هم الجحيم»، ليس بمعنى العداء، بل بمعنى الثقل الوجودي الذي يفرضه حضورهم بما يتجاوز حدود مجال الإدراك. لقد تجسد هذا الثقل في دموع بونو التي لم تكن دموع خسارة، بل دموع مسؤولية، دموع مغربي شعر أنه يحمل على كتفيه حلما جماعيا لم يكتمل، كما ظهر في دموع لويس دياس بعد خروج كولومبيا، حيث بدا كمن يحمل على كتفيه خيبة أمة كاملة، غير قادر على مغادرة الملعب إلا محاطا بزملائه الذين يحاولون رفع هذا الحمل عنه

هكذا يتحول فجأة الملعب، الذي كان فضاء للبطولة وللخطط العقلانية ، إلى فضاء لتحرير العاطفة. وإذا في التاريخ الاجتماعي بكاء الرجال علانية يعتبر ضعفا ، فإن كرة القدم كسرت هذا القيد، إذ أصبح الملعب مكانا يسمح فيه للذات بأن تكون هشة دون محاكمة. البكاء هاهنا تحرر من قمع عاطفي تاريخي، لحظة يلتقي فيها الإنسان مع مشاعره الإنسانية بلا خوف، وقد تجلى هذا التحرر في لحظة بونو، حين بدا أن دموعه ليست هزيمة، بل إعلانا عن صدق التجربة الإنسانية، عن حرارة الانتماء، كشرطين للوجود الانساني

من دون شك أن في لحظات الخسارة القاسية، حين يسقط الحلم أمام العين، يشعر اللاعب بأن معنى حياته المهنية قد تزلزل. يصبح البكاء ردا على سؤال وجودي: ماذا يبقى مني إذا سقط الحلم؟ إنها لحظة وداع لنسخة من الذات كانت تعيش داخل الحلم الرياضي، وولادة لذات جديدة تواجه الحقيقة بلا حماية أمام غوغائية وسائط التواصل الاجتماعي و أوهام الحشود المتساقطة حتى وإن كانت «الخيبة ليست نهاية، بل بداية شكل آخر من الحلم». لأن الحلم لا يمت، بل يغيّر شكله ويخلق شروط تحققه.

في النهاية، بكاء اللاعب هو إعلان وجودي، لحظة تقول فيها الذات: لقد أعطيت كل ما أملك، والآن أقف أمام الحقيقة بلا قناع. إنها لحظة يتقاطع فيها الجسد مع الزمن، والحلم مع الواقع، والفرد مع الجماعة، ليصبح البكاء ليس ضعفا، بل شكلا من أشكال الحقيقة التي تفرض نفسها حين تنتهي المباراة ويصمت كل شيء بعيدا عن ماكينة الرأسمال المتوحش حيث اللاعب جزء من أدوات ووسائل الإنتاج ومباراة كرة القدم كجهاز إيديولوجي... حينها يتلاشى اللاعب فيكف الدور ويسقط القناع ولا يبقى إلا الإنسان.