قضايا

مذكرة مفتوحة إلى السادة قدماء أعضاء المحكمة الدستورية والرأي العام الوطني

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

(في شأن عدم دستورية إخضاع مالية هيئات المحامين لرقابة مؤسسات الدولة المختصة بحماية المال العام )

تشكل إحالة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة على المحكمة الدستورية محطة مفصلية في مسار بناء دولة القانون، لأنها لا تقتصر على مراقبة مطابقة النصوص التشريعية للدستور، وإنما تمتد إلى حماية التوازن الدستوري بين سلطة الدولة واستقلال المؤسسات المهنية التي تضطلع بوظائف ذات صلة مباشرة بضمان الحقوق والحريات.

وفي هذا الإطار، يثير المقتضى القاضي بإخضاع مالية هيئات المحامين لرقابة مؤسسات الدولة المختصة بحماية المال العام شبهة دستورية جدية، ليس لأنه يدعو إلى الشفافية أو المحاسبة، فهاتان قيمتان دستوريتان لا خلاف بشأنهما، وإنما لأنه يخلط بين الطبيعة القانونية للمال العام والمال المهني، ويعيد رسم حدود الاختصاصات الدستورية لمؤسسات الرقابة بقانون عادي، بما قد يمس جوهر استقلال مهنة المحاماة

فالمال العام، في الفقه والقانون، هو المال الذي تملكه الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات والهيئات العامة، ويكون مخصصًا لتحقيق المنفعة العامة، ويخضع لنظام قانوني استثنائي يبرر تمتعه بحماية خاصة ورقابة دستورية خاصة. أما أموال هيئات المحامين، فهي لا تستمد مصدرها من الخزينة العامة، ولا من الضرائب أو الرسوم العمومية، وإنما تتكون أساسًا من اشتراكات المحامين وموارد الهيئة الذاتية، وتخصص حصريًا لتدبير شؤون المهنة وخدمة أعضائها، الأمر الذي يجعلها أموالًا مهنية ذات طبيعة خاصة، لا تكتسب وصف المال العام.

ويترتب على هذا التمييز أن الرقابة المقررة دستوريًا لحماية المال العام لا يجوز نقلها تلقائيًا إلى الأموال المهنية الخاصة بمجرد نص تشريعي، لأن الاختصاصات الدستورية لا تتوسع بالإرادة التشريعية وحدها، وإنما تظل مقيدة بحدود الدستور وروحه.

إن الفصل 147 من الدستور أسند إلى المجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة المالية العمومية، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في نطاق الأموال والهيئات التي تدخل ضمن اختصاصه الدستوري. ومن ثم، فإن إخضاع هيئات المحامين لهذه الرقابة يقتضي أولًا إثبات أن أموالها تدخل في نطاق المالية العمومية، وهو أمر لا يستقيم مع طبيعتها القانونية ولا مع نظام تمويلها ولا مع وضعها المؤسساتي.

كما أن الدستور، وهو يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يجيز في المقابل إفراغ مبدأ استقلال المهن المنظمة ذاتيًا من محتواه، ولا يسمح بإقامة وصاية مالية مباشرة أو غير مباشرة على هيئة تضطلع بدور أساسي في حماية الحق في الدفاع، وهو الحق الذي يشكل أحد أعمدة المحاكمة العادلة ودولة القانون.

إن استقلال المحاماة ليس امتيازًا نقابيًا، ولا مطلبًا فئويًا، وإنما هو ضمانة دستورية مقررة لفائدة المجتمع والمتقاضين قبل أن تكون لفائدة المحامين. ولذلك فإن كل تدبير تشريعي من شأنه أن يضع الهيئات المهنية تحت رقابة قد تتحول، بحكم طبيعتها أو آثارها، إلى وسيلة للتأثير في استقلالها، ينبغي أن يخضع لرقابة دستورية دقيقة تقوم على مبدأ الضرورة والتناسب.

ولا يعني هذا الموقف الدعوة إلى إعفاء هيئات المحامين من الرقابة أو المساءلة، بل على العكس، فإن تعزيز الحكامة داخل المهنة يظل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا. غير أن هذه الحكامة ينبغي أن تتحقق من خلال الآليات التي تنسجم مع طبيعة التنظيم الذاتي للمهنة، كإلزامية الافتحاص المالي، وتعزيز سلطات الجمعيات العامة، وتطوير آليات المراقبة الداخلية، وتكريس قواعد الشفافية في إعداد الميزانيات والحسابات، دون إخضاع الأموال المهنية لنظام الرقابة المخصص دستوريًا للمال العام.

إن القضية المعروضة اليوم على المحكمة الدستورية ليست قضية مالية في جوهرها، بل هي قضية تتعلق بحدود السلطة التشريعية ذاتها: هل يجوز للمشرع العادي أن يعيد تعريف مفهوم المال العام؟ وهل يجوز له أن يوسع اختصاص مؤسسات الرقابة الدستورية ليشمل هيئات لم يقرر الدستور إخضاعها لها؟ وهل يمكن أن تتحول الدعوة المشروعة إلى الشفافية إلى مدخل للمساس باستقلال إحدى المهن التي تشكل ركيزة أساسية في منظومة العدالة؟.

إن الجواب الذي نأمله من المحكمة الدستورية هو تأكيد سمو الدستور، وصيانة مبدأ التخصص في الاختصاصات الدستورية، وإقرار أن الحكامة الرشيدة لا تتحقق بإلغاء الفوارق بين الأموال العمومية والأموال المهنية، ولا بتوسيع مجالات الرقابة خارج حدودها الدستورية، وإنما بإيجاد التوازن الدقيق بين مقتضيات الشفافية وضمانات الاستقلال.

وانطلاقًا من ذلك، فإننا ندعو المحكمة الدستورية إلى التصريح بعدم دستورية المقتضى الذي يخضع مالية هيئات المحامين لرقابة المؤسسات المختصة بحماية المال العام، تأسيسًا على أن هذا المقتضى يخل بالطبيعة القانونية لأموال الهيئات، ويتجاوز الحدود الدستورية لاختصاص مؤسسات الرقابة، ويمس باستقلال التنظيم الذاتي للمحاماة باعتباره ضمانة أساسية للحق في الدفاع، وبذلك يكون مخالفًا لروح الدستور ولمبادئ دولة القانون والمؤسسات.

إن حماية الدستور لا تكون فقط بحماية اختصاصات السلطات العامة، وإنما أيضًا بحماية استقلال المؤسسات الوسيطة التي تشكل جزءًا من البنية الدستورية لدولة الحق والقانون. والمحاماة، بما تؤديه من رسالة في الدفاع عن الحقوق والحريات، تستحق أن يظل استقلالها مصونًا، وأن تبقى مساءلتها قائمة على قواعد الحكامة التي تنبع من طبيعتها القانونية، لا من إلحاقها بنظام دستوري وُضع أصلًا لحماية المال العام.

وفي هذا السياق، يحسن استحضار ما قرره الدكتور مصطفى بنشريف بشأن الضوابط التي ينبغي أن تحكم رقابة المحكمة الدستورية على التشريع، حيث أكد أن من أهم معايير الرقابة الدستورية:

الحرص على عدم إضافة قاعدة تشريعية جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها. ويطرح هذا المعيار، في الحالة المعروضة، سؤالًا جوهريًا بشأن المادة 76 من مشروع القانون رقم 23.66، التي تقضي بإخضاع ودائع وأداءات هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، بما قد يؤدي إلى توسيع الاختصاص الدستوري لهذا المجلس خارج المجال الذي حدده الدستور.

ضرورة احترام مبدأ التناسب بين الوسيلة التشريعية والغاية الدستورية المراد تحقيقها، إذ إن السعي إلى تعزيز الشفافية لا يبرر اعتماد آلية قد تمس جوهر استقلال هيئة مهنية منظمة ذاتيًا، متى كانت هناك وسائل أخرى أقل مساسًا بهذا الاستقلال.

تجنب الإغفال التشريعي، بما يقتضي أن ينظم القانون آليات الحكامة والمساءلة داخل هيئات المحامين تنظيمًا متكاملًا، دون اللجوء إلى حلول تثير إشكالات دستورية.

مراعاة تطابق القواعد القانونية مع الأهداف الدستورية، بحيث لا تتحول الغاية المشروعة، وهي تكريس الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى وسيلة لإعادة تشكيل التوازنات الدستورية أو المساس باستقلال المؤسسات المهنية.

ضرورة الحفاظ على الانسجام بين المنظومة القانونية وعدم خلق تعارض بين النصوص التشريعية وأحكام الدستور أو بين القوانين المنظمة للمؤسسات الدستورية والقوانين المنظمة للمهن.

ويضاف إلى ذلك أن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات يظل، وفق الدستور، مرتبطًا بتدقيق المالية العمومية ومراقبة الأموال العامة والجهات الداخلة في نطاق اختصاصه الدستوري. ومن ثم، فإن إخضاع أموال هيئات المحامين، التي لا تكتسب في الأصل صفة المال العام، لهذه الرقابة يثير شبهة جدية تتمثل في إضافة قاعدة تشريعية من شأنها تعديل الامتداد العملي للقاعدة الدستورية دون سند دستوري صريح، وهو ما يدخل في صميم الرقابة التي تضطلع بها المحكمة الدستورية.