قضايا

الحكومة وتنمية المدن

إدريس الفينة (باحث - خبير في الاقتصاد الجيوسياسي)

رغم أن عمل الحكومة، من حيث المبدأ الدستوري والسياسي، عمل أفقي يهم مجموع التراب الوطني وكل المواطنين دون تمييز، فإن الممارسة تكشف أحياناً عن ميل بعض الوزراء إلى التركيز على مدن أو مناطق بعينها، لأسباب ترتبط بالأصل، أو الانتماء السياسي، أو المسؤوليات المحلية، أو الحسابات الانتخابية.

فمثلاً، يلاحظ عدد من المتتبعين أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش يولي اهتماماً خاصاً بمدينة أكادير، بحكم كونه رئيساً لجماعتها. كما يلاحظ الأمر نفسه لدى بعض الوزراء الذين يظهرون ارتباطاً أكبر بمناطقهم الأصلية أو بالمجالات التي يتمتع فيها حزبهم بحضور انتخابي قوي. هذا السلوك، حتى وإن كان يمكن تبريره أحياناً بمنطق القرب أو المعرفة الدقيقة بالحاجيات المحلية، يطرح إشكالاً سياسياً ومؤسساتياً عميقاً.

فالمواطن الذي يعيش في مدينة صغيرة، أو قرية بعيدة، أو دوار مهمش، يتابع هذه الممارسات ويطرح سؤالاً بسيطاً ومشروعاً: متى سيكون لنا نحن أيضاً رئيس حكومة أو وزير من منطقتنا حتى نستفيد من التنمية والتجهيزات وفرص الشغل؟ وهذا السؤال في حد ذاته يكشف خطورة هذا المنطق، لأنه يحول التنمية من حق وطني شامل إلى امتياز مرتبط بالقرب من مركز القرار أو الانتماء إلى مجال نفوذ سياسي معين.

إن الحكومة لا تشتغل لفائدة مدينة دون أخرى، ولا لفائدة جهة على حساب باقي الجهات. الحكومة مسؤولة أمام كل المغاربة، ومطالبة بتدبير عادل ومتوازن للسياسات العمومية، وفق منطق الحاجيات الحقيقية، والفوارق المجالية، ومؤشرات الفقر، وضعف التجهيز، والبطالة، والهشاشة، وليس وفق منطق الأصل الجغرافي أو الحساب الانتخابي.

لذلك، يبدو ضرورياً التفكير في ميثاق أخلاقي وسياسي يلزم الوزراء وأعضاء الحكومة بعدم تحويل مناصبهم إلى أدوات لتقوية مدنهم أو مناطقهم الخاصة. فالمسؤول الحكومي، بمجرد دخوله إلى الحكومة، يصبح مسؤولاً وطنياً، لا ممثلاً لمدينة أو جماعة أو حزب أو قبيلة انتخابية.

كما أن الجمع بين المسؤولية الحكومية ورئاسة جماعة ترابية كبرى يطرح إشكالاً حقيقياً في التوازن المؤسساتي وتكافؤ الفرص بين المدن. فمن غير المقبول، في المستقبل، أن يكون رئيس حكومة أو وزير في الوقت نفسه عمدة لمدينة بعينها، لأن ذلك يخلق التباساً بين المسؤولية الوطنية والمسؤولية المحلية، ويفتح الباب أمام شبهات تفضيل مجال ترابي على حساب مجالات أخرى.

إن تنمية المدن والقرى لا يجب أن تخضع لمنطق النفوذ أو القرب من الوزراء، بل لمنطق العدالة المجالية والتخطيط الوطني المتوازن. فالمغرب لا يمكن أن يتقدم بسرعات مختلفة: مدن تحظى بالأولوية لأنها قريبة من مراكز القرار، ومناطق أخرى تنتظر دورها في الهامش.

الحكومة، أي حكومة، مطالبة بأن تشتغل لكل المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، ومن المدن الكبرى إلى أصغر الدواوير. وما يحتاجه المغرب اليوم ليس وزراء يهتمون بمناطقهم، بل مسؤولون يحملون تصوراً وطنياً عادلاً، يجعل التنمية حقاً عاماً لا امتيازاً محلياً.