تنهض رواية ( الشجعان ) لهشام ناجح " 1 " على تطريس [ من الطرس ] ثلاثي الأبعاد ، أي أن سجلات التخييل الروائي تنكتب من خلال تنضيد لثلاثة مدونات سردية ، و هي :
أ – مدونة التاريخ : مجسدة في مواجهة قبائل البادية المغربية ( قبائل الشاوية و الحوز و عبدة و تادلة ) للاستعمار الفرنسي الذي يؤرخ له بسنة 1908 زمن احتلال الشاوية ، و ما أعقب ذلك من احتلال اخترق بلاد الشاوية وصولا إلى تادلة ( 1910 – 1916 ) ، و في هذا السياق يمكن القول بأن رواية ( الشجعان ) هي في نظري أقوى عمل روائي مغربي عرف كيف يتمثل هذه المدونة و أجاد فيها ، متفوقا على رواية ( المغاربة ) لعبد الكريم جويطي .
ب – المدونة الملحمية : متمثلة في ( ملحمة جلجامش ) و التي يشغلها الكاتب ك [ مرآة للتناص الرمزي ] حيث الحكي التاريخي ينتسج كمتخيل يستلهم الانعكاس الرمزي لملحمة جلجامش ، و هو سعي لجعل ملحمة من حاضر التاريخ المغربي تلتقي على مستوى الرمز بالبطولات و الملاحم الكونية التي سجلها تاريخ الأدب و الفكر الإنساني .
ج - مدونة الغناء الشعبي ( العيطة ) من خلال مجموع الإحالات المباشرة و غير المباشرة على [ قصيدة الشجعان ] الذائعة الصيت المنسوبة إلى مباركة النيرية المشهورة باسم مباركة بنت حمو البهيشية ، و التي تتغنى ببطولات المقاومة المغربية في البوادي و المدن ، و تؤرشف أدبيا لهذا البعد التاريخي ، و هي تمزجه بأردية من الرمز ، تجعل الواقع يتسامى إلى مستوى الأسطورة . و القصيدة مشهورة بمطلعها :
بـِـسْــِمِ الـَلـهْ بَــاشْ بْــِديــنَــا
و رَاهْ عَــلىْ اُلــنًـبِي صَـِلـيـنَـا
رَاهْ اُلـْربَــاعَـة سَــارَتْ لَــلًـهْ
فِـــيـنْ عــَـْركـــَـابـِـيـنْ الـﱠنـْوضَــاتْ ؟
فِــــينْ صــَـهْــصَــالِـيـنْ الْـعَـلْـفــَـاتْ
آشْ كَــــالْ العتـابي لَــخُــوتـُــو
كــــَـانْ مـَــوْسـَـمْ َولَــى حَــْركَــة
تْــحَــْزمُــوا كُــونُــوا ُرجًــــالاَ
يَــــاْوِّدي كـُـونُـــوا عَـــَّوانِــيــنْ
راهْ الـجْــَمــاعَـة طَـلْـعَـتْ لَـلـِّديـرْ
راهْ الْـمـَـحَـلَّــة حَــطَــتْ لَـرْحَـالْ
حَـــسْ الْـــبْــكَـــا فِـي تاونـزة
واشْ الْـــبْــكـَـا يْــبَــَّرْد الَــكْــلُـــوبْ ؟
واشْ الْـــبْــكـَـا يْــبَـــَّرْد شِـــي نَــــارْ؟
احْــرَا رَتْ الــًشــعْــبَــة بـِـالــُّدخـَـانْ
حـَــــــسْ الْـــمُــخْ تــَايْــتْـــشَـــَوطْ
شـْـكُــونْ عَـــَّزكْ آلْــقْــصِــيــبَــة ؟
آيـْـــتْ عَـــطَّــا َوآيْـــتْ بـُـوِزيــــدْ
حَـــــدْ ســَالــِكــَانْ الــَّزيـــــْتـــُونْ
فِـــي الــْزنَـــاقِـــي نَــاضْ الــَّريْـتُـولْ
هذه البنية التخييلية المتراكبة الطبقات بين ما هو تاريخي واقعي و متخيل رمزي هي مرتكز السرد في الرواية ، تمزج بين وقع الملحمة و الأسطورة ، و تضع في صلب السرد الخلفية التاريخية التي اعتنى المؤرخون بحصرها في الفترة ما بين 1907 و 1922 ، و هي الفترة التي شهدت مقاومة البادية المغربية للاستعمار الفرنسي في منطقة الأطلس الكبير و تحديدا السيرة البطولية للقائد و المقاوم موحا أوسعيد الذي وحد قبائل الشاوية و تادلة لتقاوم بضراوة المخططات العسكرية للمقيم العام ليوطي و آلته العسكرية التنفيذية الكولونيل مانجان .
قهر البطل موحا أوسعيد الجيش الفرنسي بفصائله الغفيرة العدد و هزم مانجان أكثر من مرة ، و لم يستسلم إلا بعد احتلال قصبة تادلة و الغزو التدميري الشنيع الذي لحقها . و يرى المؤرخون أنها لم تكن هزيمة بالمعنى الحرفي ن و إنما تكالبت إرغامات كثيرة معقدة قادت إليها ، أهمها التأثيرات الناتجة عن تداعي الحرب العالمية الأولى على المغرب و الخريطة الدولية الضاغطة و المتجاذبة المصالح .
كان لا بد من هذه التوضيحات الأولى الضرورية لمساعدة القارىء على حسن فهم و تأويل الرواية ، التي كما ذكرنا تشتغل بأجنحة ثلاثة تغرف من مدونات متعددة السجلات . في البداية نشير إلى أن هذا العمل السردي لا يمكن تصنيفه ضمن السجل الأجناسي ل [ الرواية التاريخية ] بمعناها الكلاسيكي و المدرسي الذي في تقعيداته يماثل سرد المؤرخين كما يوضح ذلك هايدن وايت في كتابه الشيق ( محتوى الشكل : الخطاب السردي و التمثيل التاريخي ) ." 2 "
نحن هنا بصدد عمل أدبي يقوم على تخييل التاريخ و وضع المدونة التاريخية في نسق رمزي سيميائي لا يشابه مثلا عمل المؤرخ الناصري في ( الاستقصاء ) . في رواية تخييل التاريخ نكون إزاء كتابة سردية تضع الحقيقة التاريخية في مواجهة الحقيقة الأدبية . في هذا المستوى بالذات تستطيع رواية مثل ( الشجعان ) أن تقوم بعمل أسطوري و هو العودة بعجلة الزمن إلى الوراء :
أولا : من أجل اختراق نص التاريخ بالمجاز التخييلي و الكشف عن متخيلات لاوعيه و عن الصورة الحقيقية لمعنى آخر هارب من تقييدات المؤرخين و استقصاءاتهم . ثمة هذا الهامش الكبير من الحرية الذي يملكه الأديب الروائي و لا يملكه المؤرخ : المؤرخ يكتب تاريخا يملى عليه و الروائي يذهب إلى التاريخ الذي لم يكتب .
ثانيا : تصحيح الحاضر بالماضي لكي لا تضيع الحقيقة في الطريق كما يوضح ذلك بول ريكور في كتابه ( الذاكرة ، التاريخ ، النسيان ) حين يتحدق عن غائيات التحريف الذي يمنح للذاكرة معنى غير ما هي عليه . " 3 " التصحيح هنا فعل رمزي ، لأنه ينصب على عمل الذاكرة التي هي أكبر مموضع للتاريخ و الهويات و تشخيص الذاتية و الوعي الجمعي . و في هذا الصدد أظهر هشام ناجح براعة فائقة في الإشتغال على [ الذاكرة الأدبية ] بذلك المعنى الذي يجعل من كل شخوصه أبطالا . كل شخصياته جلجامشية ، تصوغ الأسطورة الجماعية من مكابدات و محاضات الأقدار الفردية في تعالقها بالذاكرة الجماعية .
في الرواية هناك الشخوص المتجذرة في تعيينات المرجعية التاريخية [ موحا أوسعيد ، القايد بنزكري ، النيرية ، الماريشال ليوطي ، الكولونيل مانجان ، السلطان المولى يوسف ، الحاجب بنغرنيط .. ] ، و هناك الشخوص التخييلية القادمة من أراضي المتخيل الرمزي [ البوزيدي ، حمو ، حادة ، البعطيطي ، ولد العسري ، الشرقي بن المفضل ، ادريس بنحميد .. ] . منطق الرواية لا يؤمن بالبطولة الفردية ، لهذا أضفي المؤلف على كل الشخوص هالة بطولية . و بذات الحرص كان ذكيا و عرف حتى بالنسبة ل [ البطل المضاد ] كيف يشرح في دواخله لاوعي الهزيمة كما يظهر من الرصد التخييلي لشخصية الكولونيل مانجان و السرد و الوصف المبطنيين بالسخرية ، كيف يهزأ من شخصية الكولونيل مانجان ، مبرزا أبجدية الهزيمة في تكوين ذاتيته المنهارة .
لا تكمن قيمة الرواية فيما أشرنا إليه سابقا ، بل أكثر . إنها رواية مشبعة بثراء أنثروبولوجي كثيف الدلالات .
أنا من الذين يقولون بأن أي روائي لا يملك متخيلا أنتروبولوجيا عميقا لن يكون ناجحا في كتابة الرواية . لقد كان فعل السرد عند نجيب محفوظ مقتصرا على ( أنتروبولوجية المدينة ) ، لذلك لا نجد لدية رواية البادية ( أو الريف أو الصعيد ) كما عند يوسف القعيد
الهوامش :
1 – هشام ناجح ( الشجعان ) المركز الثقافي للكتاب . الدار البيضاء 2024
2 – هايدن وايت ( محتوى الشكل : الخطاب السردي و التمثيل التاريخي ) ترجمة نايف الياسين هيأة البحرين للثقافة و الآثار الطبعة الثانية 2019 . ص 13 – 14
3 – بول ريكور ( الذاكرة ، التاريخ ، النسيان ) ترجمة جورج زيناتي . دار الكتاب الجديد المتحدة . الطبعة الأولى 2009






