بعيدا عن التحاليل الوجدانية أو التجاذبات السياسية، دعونا ننظر إلى التجربة المغربية بعين موضوعية ومسؤولة، في محاولة لاستخلاص الدروس المستفادة.
ما دفعني لكتابة هذا التحليل هو تسليط الضوء على أهم نقاط القوة في التجربة المغربية، لعلنا نجد فيها ما يساعدنا على تدارك نقاط ضعفنا وإحياء سياسة الواقعية والبراغماتية التي لطالما ميزت تونس قبل 2011...
يمكنني حصر العوامل الأساسية التي ساهمت في هذه النهضة التي يعيشها المغرب في خمس نقاط رئيسة:
1. إشراف الديوان الملكي المباشر على المشاريع الاستراتيجية أو ما يمكن تسميته بالمشاريع أو الورشات الملكية الكبرى، مثل ميناء طنجة المتوسط، محطات Nour للطاقة الشمسية، شبكة القطار فائق السرعة البراق وغيرها من المشاريع الكبرى...
الملك منح هذه المشاريع حصانة ضد البيروقراطية الحكومية التقليدية وضمن التزاما صارما بالجداول الزمنية. وهو ما جذب الاستثمارات الأجنبية مثل مصانع السيارات والطيران... واستضافة المؤتمرات الدولية وكأس العالم لكرة القدم 2030...
وصنفت هذه المشاريع في خانة الأمن القومي الاقتصادي حيث خلقت Écosystème متكامل بما تضمنته من خدمات مختلفة...
2. اعتماد الملك على مستشارين تكنوقراط من ذوي الكفاءة العالية والذين تقاسموا مع الملك مسارا دراسيا أو مهنيا. خلية صغيرة تشتغل كحكومة مصغرة أو كمختبر علمي Think Tank... وهم رجالات المربع الأول، يتميزون بمرونة عالية وبقوة دبلوماسية موازية...
كوّنت هذه المجموعة مركز قرار مواز يتميز بالسرعة والبراغماتية، بعيدا عن التجاذبات الحزبية والصراعات السياسية الضيقة... الشيء الذي لم يشل الأعمال بالبلاد، فغياب قرار حكومي أو برلماني لم يكن له أي تأثير على تواصل المشاريع الاستراتيجية...
3. تعلّق المغاربة بالملكية كصمّام أمان. ففي منطقة عصفت بها تغييرات عنيفة سنة 2011، شكلت المؤسسة الملكية رمزا للاستمرارية والوحدة الوطنية، مما سمح للمغرب بتقديم بعض الإصلاحات في ظل الاستقرار بدلا من الهزات العنيفة...
الملكية هناك ليست مجرد نظام حكم، بل هي مؤسسة تحكيمية محل إجماع من أغلب التيارات، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين...
4. لا تعتبر الجالية المغربية بالخارج، لا سيما في بروكسل وأمستردام وباريس ومدريد، مجرد مصدر للعملة الصعبة، بل هي قوة دبلوماسية ناعمة تتنامى نفوذا وتأثيرا. فمن خلال جمعياتهم ومنظماتهم، نجح المغاربة المقيمون بالخارج في صناعة لوبيات محلية انخرطت بفاعلية في النسيج السياسي والاجتماعي لبلدان إقامتهم، مما خدم صورة المغرب ومصالحه بشكل فاق الدبلوماسية التقليدية. ولعلّ خير دليل على ذلك أن أغلب لاعبي الفريق الوطني المغربي من مزدوجي الجنسية اختاروا طواعية الانضمام للمغرب في وقت مبكر.
5. يتعامل المغرب مع الكفاءات خاصة من الأجانب بمنطق الشركات الكبرى، حيث يوفر بيئة محفزة ورواتب مجزية مقابل المهارة. وقد لاحظت خلال رحلاتي وجود العديد من الكفاءات التونسية التي تدير منشآت كبرى في المغرب بكفاءة عالية وهو ما يعكس عقلية براغماتية لا تحكمها الحساسيات السياسية، بل مبدأ الربح المشترك...
ماذا تحتاج تونس ؟
تمتلك تونس رأسمال بشري وثقافة انفتاح تعد مضربا للأمثال.
ما ينقصنا ليس الكفاءة، بل نحتاج إلى:
1. تنقية الأجواء الداخلية من مختلف الصراعات الهامشية والقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية عميقة.
2. خلق مساحات للمشاريع الوطنية الكبرى تكون محصنة من التجاذبات السياسية والقطاعية، ليكون هدفها الإنجاز لا البروباغندا.
3. بناء جسور الثقة بين الدولة والكفاءات الوطنية في الداخل والخارج والتعامل معهم كشركاء حقيقيين في مسيرة البناء.
4. إحياء السياسة الخارجية التي تضع الاقتصاد والمصالح الوطنية في صدارة الأولويات.
أتمنى للمغرب الشقيق مزيدا من التوفيق والازدهار وأن تجد تونس طريقها للنهوض من جديد...






