إن شعوب العالم ومدرجاتها لا تحمل لنا أي كراهية، بل تكنّ لهذا البلد الكثير من الحب والتقدير والأمل. والأسباب واضحة: نحن نقدم لهم النموذج الحي على إمكانية النهوض والتميز بالعمل لا بالتباكي. لذا، دعونا نغلق قنوات صناع المحتوى القائم على "الفيكتيمولوجي" وتأجيج الأحقاد، ونحتفِ بالسبب الحقيقي وراء هذا الحب العالمي الممتد.
ففي كل مرة يتألق فيها المغرب في محفل رياضي أو سياسي، قاريًا كان أو عالميًا، تخرج عبر فضاءات التواصل الاجتماعي بعض الاصوات تبث سمومها وأخرى تتباكى وتتبنى "ثقافة الضحية" (Victimologie). يرد هؤلاء بملامح حزينة لترديد نغمة مكرورة: "العرب يكرهوننا.. الأفارقة يكرهوننا.. الجميع يحسدنا لأننا تفوقنا كرويًا وتطورنا تنمويًا".... ادا كان ذلك صحيحا لدى بعض الجهات القليلة والمعدومة المروءة والمسخرة اعلاميا، فان الغالبية العظمى من الاحرار هم محترمون ومحبون لإنجازاتنا.
خطاب الحقد والكراهية والفيكتيمولوجيا هي فقط انعكاس لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي تبحث عن الاستفزاز والصراع لزيادة متابعيها، ويركب عليها تجار «النقرات" (Clics) والربح المادي السريع. إنها تجارة قائمة على صناعة العداء وبث الفرقة بين الشعوب عبر صناعة محتوى تحريضي يقتات على الخلافات.
بينما الواقع يثبت العكس تمامًا. فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس "لماذا يكرهوننا؟"، بل "كيف جعلناهم يحبوننا؟".
هو إلهام دول الجنوب، هي قصة نجاح تتحدى المعيقات.
في المنافسات الكروية العالمية الأخيرة، رأينا كيف توحدت مشاعر الشعوب من المشرق إلى المغرب، ومن شمال الكرة الارضية الى جنوبها. من السعودية، وفلسطين، والامارات وقطر وكل الخليج، والعراق، وسوريا، وليبيا، وموريتانيا، وصولًا إلى ماليزيا واندونيسيا والبنغلاديش وباكستان، ومالي، وروسيا، والبوسنه والهرسك والمكسيك، والولايات المتحدة والبرازيل، والشيلي والدول الافريقية والروبية والاسيوية. شعوب وجماهير لا تربطها بالمغرب جنسية، لكنها سهرت الليالي وشجعت منتخبنا بحماس منقطع النظير.
يشجعوننا لأنهم يبحثون عن نموذج مُلْهِم: جماهير دول الجنوب سئمت من احتكار دول الشمال الغنية لقصص التفوق والنجاح . هذه الشعوب تريد أن ترى بلدًا يشبهها ، يخرج من رحم المعاناة ليتغلب على الفقر والتحديات وينجح.
يشجعوننا لان نجاحنا عابر للمجالات : التفوق المغربي لم يعد مجرد طفرة كروية، بل هو انعكاس لإرادة قوية، لبنية تحتية تتطور، وشبكات سكك حديدية حديثة، ومطارات وطرق وحدائق ترتقي بجودة الحياة.
يشجعوننا لأنهم يريدون ارسال رسائل مبطنة للحكومات . بفرحها للمغرب، فهي كشعوب توجّه رسالة غير مباشرة لحكامها مفادها أن هذا البلد كان معنا وبيننا، وها هو ينجح بإمكانياته الذاتية.. فافعلوا مثلهم.
يشجعوننا لأننا نفرض احترام الاخرين لنا باحترامنا لهم وبالروح الرياضية . العالم يرانا بلدا يقدم نموذجًا راقيًا في التعامل، سواء من خلال سلوك جماهيره أو انضباط لاعبيه ورقي تعاملهم. ولعل ما شهدناه في محطات كروية قارية ودولية نظمها المغرب خير دليل؛ فرغم شعور الجماهير المغربية ببعض الإجحاف أو الظلم التحكيمي في بعض الأوقات، إلا أنها ظلت جماهير مسالمة، لم تخرب، ولم تحتج باستعمال العنف، بل حافظت على وعيها ورقيها.
يجب ان لا ننسى أنه من الطبيعي تاريخيًا وسياسيًا أن تقع بعض الاحتكاكات والمنافسات بحكم الجغرافيا والجيوستراتيجيا؛ فالمشاكل لا تنشأ عادة إلا بين دول الجوار بسبب التنافس الطبيعي على الريادة أو المصالح المشتركة. هذا الأمر قد يكون مفهومًا -الى حد معين - في سياقه السياسي والرياضي بين الحكومات.
لكن الخطير في هذه المعادلة هو عندما يعمد بعض الحاكمين وبأوامر دولة الى بث الخطابات الموجهة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أجل فرض "خطاب الكراهية والبغض" ضد شعب جار؛ وهو الخطاب الهدام الذي يجب علينا جميعًا، كشعوب واعية، أن نرفضه ونترفع عنه وعن مجاراته.






