تحليل

التألق الرياضي ومغرب التحول

عبد الحليم بنمبارك (باحث مختص في شؤون ضبط ومراقبة السوق)
أكتب هذا المقال انطلاقاً من قناعة بأن الإنجازات الكبرى لا تُفهم بمعزل عن سياقها العام، وأن ما حققه المغرب في المجال الرياضي خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الإنجازات التاريخية لمنتخباتنا الوطنية في كرة القدم: قطر 2022، الميدالية البرونزية لمنتخب أقل من 23 سنة، كأس العالم لأقل من 20 سنة، كأس العرب، كأس افريقيا للمحليين، كأس افريقيا لكرة القدم داخل القاعة، تألق الكرة النسوية وما يتوق أسود الأطلس على إنجازه اليوم في كأس العالم 2026 بأمريكا وغيرها من المنجزات، ليس حدثاً عابراً أو نجاحاً معزولاً أو وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجية وطنية واضحة المعالم حولت الانجاز الرياضي إلى ثقافة مؤسساتية واقتصادية تسعى من خلالها إلى تعزيز تنافسية المغرب وترسيخ مكانته وإشعاعه إقليمياً ودوليا بثقة وطموح على نحو يدخله ضمن الدول المتألقة أساسا في مجال كرة القدم.

إن الإنجازات التي يحققها المغرب اليوم، خاصة على مستوى كرة القدم ، ونجاحه في تنظيم التظاهرات الرياضية القارية والدولية، وهو يستعد الآن لتنظيم مونديال 2030، تظهر أن الرياضة أضحت أحد الواجهات الرمزية لهذا التحول، وأنها أصبحت أكثر من مجرد رياضة بل تحولت إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالاستثمار في الرأسمال البشري والاهتمام بالشباب وتنمية الكفاءات وتأهيل البنيات التحتية الرياضية وهندسة الملاعب الكبرى ومراكز التكوين، قادر على تحقيق نتائج تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. المغرب قدم ويقدم اليوم للعالم صورة بلد واثق من نفسه ومن طاقاته، قادر على المنافسة والإنجاز في مختلف المجالات.

إن القوة الناعمة التي باتت تميز المغرب بفضل إنجازات منتخباته الوطنية تفتح آفاقا واسعة لجذب الاستثمارات الاجنبية وإنعاش القطاعات السياحية والتجارية وخلق فرص الشغل وتعزيز مكانة المغرب كوجهة عالمية للرياضة والسياحة والأعمال، وتحويل الشغف الشعبي إلى محرك حقيقي لعجلة التنمية البشرية والمستدامة.

نحن اليوم نتابع مشوار أسود الأطلس بأمل كبير في كتابة فصل جديد في تاريخ كرة القدم العالمية. المنتخب المغربي دخل غمار مونديال 2026 بطموحات أكبر وثقة أكبر، يواصل ترسيخ مكانته بين كبار المنتخبات العالمية بعدما أصبح من بين أفضل المنتخبات في تصنيف الفيفا محافظا على صدارته العربية و الإفريقية. وهي مناسبة يتطلع فيها المغاربة إلى رحلة موفقة جديدة لفريقنا الوطني لمواصلة مشواره في التألق...الحلم مستمر والتاريخ يكتب بالصبر والإصرار والعزيمة وتراكم التجارب.

لقد مكن تألق منتخباتنا الوطنية في مجال كرة القدم من توحيد مشاعر المغاربة حول هدف مشترك، وأخرجهم بعفوية إلى الشوارع للاحتفال، وهذا الفرح العارم للجماهير المغربية يتجاوز مجرد الانتصار الرياضي، إذ يمثل مصدرا للفخر الوطني ويعزز الهوية الوطنية والشعور بالانتماء والوحدة بين مختلف فئات المجتمع، كما يمنح المغرب حضورا عربيا وإفريقيا ودوليا مشرفا ويبث الأمل والثقة في قدرة أبنائه على تحقيق التميز. ولهذا تتحول هذه الانجازات إلى مناسبة للاحتفال الجماعي لأنها تشعر المغاربة بأن نجاح المنتخب هو نجاح للوطن بأكمله.

وهذا ما ذهب إليه الأديب الأستاذ سعيد منتسب في مقاله بجريدة الاتحاد الاشتراكي (15 يونيو 2026) بعنوان: "كرة القدم..من الهويات القاتلة..إلى الهويات المتحولة !"حين أكد: "فالجماهير ترى في منتخباتها تمثيلا لذاتها الجماعية. ومن هنا تنبع تلك الطاقة العاطفية الهائلة التي تجعل الفوز مناسبة وطنية، وتجعل الهزيمة جرحا رمزيا يشعر به الملايين، مما يؤكد أن المونديال لحظة ساخنة تتبارز فيها خطط المدربين ومهارات اللاعبين، كما تتصارع صور الأمم عن نفسها. ففي الظاهر، تتنافس المنتخبات على لقب رياضي. أما في العمق، فتتواجه أمم بأكملها، حاملة معها تاريخها وصورتها عن ذاتها وطريقتها الخاصة في النظر إلى العالم".

في موازاة ما يحققه المغرب من إنجازات رياضية وتنموية متتالية، تتصاعد، بشكل يبعث على الاستغراب، حملات تشويش تستهدف النيل من سمعته وصورته، خاصة في مجال كرة القدم الذي أصبح واجهة بارزة للحضور المغربي قارياً ودولياً. فكلما حقق المغرب تقدماً أو حظي بإشادة المؤسسات والهيئات الرياضية الدولية، برزت أصوات عدائية، خاصة بدول الجوار وأطراف إفريقية أخرى، تنظر بقلق إلى تصاعد الحضور المغربي على الساحة الرياضية والاقتصادية والدبلوماسية، تحاول التشكيك في تلك الإنجازات أو التقليل من قيمتها، في مشهد يعكس أن النجاح نفسه أصبح موضوع استهداف. ولنا في حجم النجاح الذي حققته بلادنا في تنظيم كأس إفريقيا الأخير ومحاولات النيل من صورة المغرب والتقليل مما تحقق خير مثال على ذلك.

لذلك، يحرص المغرب على عدم الانخراط في هذه السجالات العقيمة، ليكون أفضل رد له على المشككين والاستفزازات وحملات التشويش وغيرها من المزاعم المغرضة، هو مواصلة البناء والاستمرار في تحقيق الإنجازات وتعزيز المكانة التي بات المغرب يحتلها قارياً ودولياً في المجال الرياضي وغيره من المجالات التنموية. فالمغرب اليوم يسير بثقة في مسار اختاره لنفسه، مستنداً إلى رؤية واضحة واستثمارات متواصلة في الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات الرياضية. فالأمم تُقاس بما تنجزه على الأرض لا بما يُقال عنها في الفضاءات الافتراضية أو الحملات المغرضة.

إن التجربة المغربية تؤكد أن الاعتراف الدولي لا يُنتزع بالشعارات، بل يُبنى بالرؤية الاستراتيجية والعمل والاستمرارية. وعبر تراكم النجاحات والاستثمارات. فلا يثير الجدل إلا من يصنع الحدث ولا يواجه الاستفزازات إلا من يفرض حضوره ونجاحاته.

إن المنجزات الرياضية التي تعزز الثقة والأمل وتسمو بالانتماء والشعور الوطني في أبهى تجلياته، تنخرط في الورش المفتوح للارتقاء بالتنمية الشاملة التي يسعى المغرب لتحقيقها في مختلف الميادين. فالمعيار الحقيقي اليوم يظل القدرة على تحويل الانجاز الظرفي إلى مسار مستدام.