بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كتبتُ مقالة خلصتُ فيها إلى أن النصر لم يعد يُقاس بقدرة طرف على تدمير خصمه أو فرض استسلامه الكامل، بل بقدرته على الصمود لفترة أطول وتحمّل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للصراع. وذهبتُ آنذاك إلى أن أغلب هذه الحروب تنتهي إلى ما يمكن تسميته بـ"التعادل المؤلم"، حيث يعجز الجميع عن تحقيق أهدافهم القصوى، فيجدون أنفسهم مضطرين إلى الانتقال من ساحات المواجهة إلى موائد التفاوض.
اليوم، تبدو مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران أقرب ما تكون إلى تجسيد عملي لهذه الخلاصة. فهي لا تعكس انتصارا حاسما لأي من الطرفين، كما لا تعبّر عن هزيمة كاملة لأي منهما، بل تكشف عن لحظة استنزاف متبادل بلغت من الكلفة حدا جعل استمرار المواجهة أقل جدوى من تعليقها مؤقتا والبحث عن تسوية انتقالية.
فإذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تهدد الاستقرار الدولي وأسواق الطاقة، فإنها لم تتمكن من فرض شروطها القصوى المتعلقة بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية الإيرانية أو إنهاء عناصر القوة الأساسية التي تمتلكها طهران. وفي المقابل، إذا كانت إيران قد حافظت على تماسكها السياسي وعلى جزء مهم من قدراتها الاستراتيجية، فإنها لم تحصل بعد على رفع شامل للعقوبات أو على تسوية نهائية تضمن لها الخروج الكامل من دائرة الضغوط الدولية.
وتكشف بنود المذكرة عن هذا التوازن الدقيق بين العجز والقدرة. فالتفاهم حول أمن الملاحة وتهدئة المواجهة العسكرية يعكس إدراكا متبادلا بأن استمرار التصعيد يهدد مصالح الطرفين معا. كما أن تأجيل القضايا الأكثر تعقيدا، وعلى رأسها الملف النووي، يؤكد أن الخلافات الجوهرية لم تُحل، بل جرى ترحيلها إلى مرحلة لاحقة.
وثمة ما هو أعمق من ذلك على صعيد الاقتصاد السياسي للأزمة. فقد شكلت العقوبات، على مدى عقود، أداة محورية في السياسة الأمريكية لتغيير سلوك الخصوم بأقل تكلفة ممكنة. غير أن مسار التفاوض الحالي يكشف معضلة بنيوية في هذا المنطق: فكلما طالت العقوبات وتراكمت، تحوّل رفعها تدريجيا من أداة ضغط إلى جزء من كلفة التسوية نفسها. وهكذا تصبح العقوبات، التي صُممت أصلا لإجبار الخصم على تقديم التنازلات، ورقة تفاوضية تُقيد أيضا هامش حركة الطرف الذي فرضها. ومن هذه الزاوية، فإن مجرد الحديث عن الانفتاح الاقتصادي وإعادة الإعمار، بصرف النظر عن حجمه النهائي وآليات تمويله، يكشف أن كلفة إدارة الصراع بدأت تتجاوز كلفة البحث عن تسوية مؤقتة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالمذكرة لا تقدم حلا للأزمة بقدر ما تنظم إدارتها. إنها لا تغلق ملفات الصراع، وإنما تعيد ترتيبها ضمن جدول زمني جديد. ولذلك تبدو أقرب إلى هدنة استراتيجية منها إلى اتفاق سلام، وأقرب إلى إدارة للتوازنات القائمة منها إلى إعادة تشكيلها.
إن المهلة المخصصة للمفاوضات المقبلة لا تعني بالضرورة أن الأطراف اقتربت من تسوية نهائية، بل قد تعكس رغبة مشتركة في شراء الوقت. فواشنطن تحتاج إلى استقرار نسبي يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية الناتجة عن استمرار التوتر، وطهران تحتاج بدورها إلى متنفس اقتصادي وسياسي يسمح لها بإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية. وفي الحالتين، يصبح الزمن جزءا من التفاوض، لا مجرد إطار له.
ولعل ما تكشفه هذه المذكرة، أكثر من أي شيء آخر، هو حدود القوة العسكرية في النزاعات المعاصرة. فبعد جولات من التصعيد والتهديد والعقوبات والردود المتبادلة، عاد الطرفان إلى النقطة التي تنتهي عندها معظم حروب الاستنزاف الطويلة: الاعتراف الضمني بأن أيا منهما لا يستطيع فرض إرادته كاملة على الآخر.
لهذا السبب، قد يكون من الأدق الحديث عن "تعادل مؤلم" لا عن انتصار أو هزيمة. فكل طرف خرج ببعض ما أراد، وخسر بعض ما كان يسعى إليه. وكل طرف سيحاول تقديم النتائج لجمهوره الداخلي بوصفها نجاحا سياسيا أو استراتيجيا. غير أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الصراع لم ينته، بل غيّر شكله فقط.
إن ما نشهده اليوم ليس خاتمة أزمة، بل مرحلة جديدة من مراحلها. فقد انتقلت المواجهة من لغة الردع العسكري إلى لغة الشروط التفاوضية، ومن ساحات الاشتباك المباشر إلى فضاءات الدبلوماسية المعقدة. أما جوهر الخلافات التي أفرزت الأزمة فما يزال قائما، وهو ما يجعل المذكرة أقرب إلى تأجيل للصراع منها إلى تسويته.
غير أن اعتبار التعادل المؤلم مآلا متكررا لهذه الصراعات لا يكفي وحده لتفسير استمرارها. فثمة سؤال يظل معلقا: إذا كان الجميع ينتهي في النهاية إلى التفاوض، فلماذا تُستنزف المجتمعات والدول أولا في دورات متعاقبة من الحرب؟
الجواب المزعج هو أن الحرب ليست دائما فشلا في الحساب، بل قد تكون في أحيان كثيرة جزءا من الحساب نفسه. فثمة قوى تستمد شرعيتها من استمرار المواجهة، ومصالح اقتصادية تزدهر في ظل التوتر، ونخب سياسية تجد في وجود خصم دائم وسيلة لإعادة إنتاج تماسكها الداخلي. لذلك لا يصبح الصراع مجرد نتيجة لخلافات قائمة، بل يتحول إلى نظام قائم بذاته، يمتلك آلياته الخاصة لإعادة إنتاج نفسه.
من هذه الزاوية، لا تبدو مذكرة واشنطن وطهران نهاية لأزمة، بل محطة جديدة في مسارها. لقد انتقلت المواجهة من الميدان العسكري إلى الحقل الدبلوماسي، لكن الأسئلة التي أطلقتها ما تزال مفتوحة. وهكذا تؤكد التجربة مرة أخرى أن الشرق الأوسط لم يغادر بعد منطق حروب النفس الطويل، حيث لا ينتصر أحد بالكامل ولا ينهزم أحد بالكامل. فالتعادل المؤلم ليس قدرا يُفرض، ولا استثناء يُستغرب، بل هو خيار يُعاد إنتاجه كلما التقت مصالح القوى المتصارعة على تأجيل الحسم بدل معالجة أسباب الصراع من جذورها.
ويبقى الأمل أن تُدرك الأطراف، قبل أن تبلغ حدود الإنهاك المتبادل، أن الثمن الذي تدفعه المجتمعات في كل جولة من هذه الجولات كان كفيلا ببناء ما دمّرته الجولة التي سبقتها.






