الحكومة تحدثت عن:
نمو اقتصادي بلغ 4.8% سنة 2025.
ارتفاع الموارد الجبائية من 214 مليار درهم سنة 2021 إلى 342 مليار درهم سنة 2025.
استثمارات مصادق عليها تناهز 581 مليار درهم.
إحداث 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية.
تخصيص 52 مليار درهم للدعم الاجتماعي المباشر.
توسيع التغطية الصحية لأكثر من 15 مليون مغربي.
رفع ميزانية الصحة إلى 42.4 مليار درهم.
تراجع عجز الميزانية من 5.5% إلى 3.5%.
لكن خارج قبة البرلمان كان هناك مغرب آخر يعيش واقعا مختلفا: غلاء متواصل، ضغط اجتماعي، بطالة، وتراجع الإحساس بالأمان الاقتصادي لدى الطبقة الوسطى.
وهنا تبرز الإشكالية الأساسية:
هل نجحت هذه الأرقام في تحسين الحياة اليومية للمواطن؟
أولا: التشغيل… بين وعد “المليون منصب” والحصيلة الفعلية
شكل وعد إحداث مليون منصب شغل صافٍ أحد أهم الوعود السياسية لحكومة أخنوش.
وفي عرض الحصيلة، أعلنت الحكومة أنها نجحت في إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية بين 2021 و2025، بمعدل سنوي يناهز 170 ألف منصب.
كما تحدث رئيس الحكومة عن إحداث 233 ألف منصب سنة 2025 وحدها، معتبراً أن استمرار هذه الدينامية قد يسمح بتجاوز سقف مليون منصب بحلول نهاية 2026.
لكن المعارضة اعتمدت على أرقام المندوبية السامية للتخطيط لتقديم قراءة مغايرة تماماً:
+24 ألف منصب شغل فقط سنة 2022.
-157 ألف منصب سنة 2023.
+82 ألف منصب سنة 2024.
+193 ألف منصب سنة 2025.
أي أن الرصيد الصافي الحقيقي خلال أربع سنوات لا يتجاوز 94 ألف منصب شغل صافٍ، بمعدل سنوي يقارب 23 ألف منصب فقط.
الفارق هنا ليس تقنيا فقط، بل سياسي أيضا.
فالحكومة تعتمد احتساب المناصب المحدثة خارج القطاع الفلاحي، بينما تقتضي القراءة الموضوعية احتساب المناصب المفقودة بسبب الجفاف والانكماش الفلاحي.
ثم إن الإشكال لا يرتبط فقط بعدد المناصب، بل بطبيعتها أيضا.
فجزء مهم من الشغل المحدث يبقى شغلا هشا وغير مهيكل، بدون استقرار أو حماية اجتماعية أو أجور كافية، وهو ما يفسر استمرار الإحباط الاجتماعي لدى الشباب رغم لغة الأرقام الحكومية.
ثانيا: النمو الاقتصادي والقدرة الشرائية… المفارقة الكبرى
تحدثت الحكومة عن تحسن واضح في المؤشرات الماكرو اقتصادية:
نمو اقتصادي انتقل من 1.8% سنة 2022 إلى 4.8% سنة 2025.
تراجع التضخم من 6.6% إلى 0.8%.
ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بـ 73%.
تحسن التصنيف السيادي للمغرب.
ارتفاع الصادرات الصناعية خاصة السيارات والطيران.
لكن السؤال الذي ظل مطروحا بقوة داخل المجتمع:
إذا كانت المؤشرات بهذا التحسن، فلماذا يشعر المواطن بكل هذا الضغط؟
ففي الواقع الاجتماعي، استمرت أسعار المواد الأساسية في الارتفاع:
اللحوم الحمراء أصبحت بعيدة عن موائد فئات واسعة.
أسعار الخضر والفواكه شهدت ارتفاعات متتالية.
المحروقات أثرت على النقل والأسعار بشكل عام.
حتى السردين الذي كان يعتبر “سمك الفقراء” أصبح مكلفا.
ورغم تخصيص الحكومة حوالي 135 مليار درهم لصندوق المقاصة لمواجهة آثار الغلاء، ظل الإحساس العام هو تآكل القدرة الشرائية.
الأرقام هنا صادمة:
المغرب يحتل المرتبة ما قبل الأخيرة عربياً في متوسط الأجور الشهرية بأقل من 400 دولار.
الدخل الفردي السنوي المتاح لا يتجاوز 28 ألف درهم.
حوالي 800 ألف مغربي سقطوا في الفقر المدقع خلال ثلاث سنوات.
12 مليون مواطن، أي ثلث السكان تقريباً، أصبحوا يعتمدون على الدعم الاجتماعي المباشر.
وهنا تظهر المفارقة الحقيقية:
اقتصاد ينمو… ومجتمع يزداد هشاشة.
ثالثا: الحماية الاجتماعية… إصلاح هيكلي أم تدبير للهشاشة؟
قدمت الحكومة ورش الحماية الاجتماعية باعتباره أكبر إنجاز اجتماعي خلال الولاية.
وقد تم: تخصيص 52 مليار درهم للدعم الاجتماعي المباشر.
استفادة حوالي 4 ملايين أسرة.
توسيع التغطية الصحية لتشمل أكثر من 15.5 مليون مواطن.
تعميم “أمو تضامن” على الفئات الهشة.
ولا شك أن هذه الأرقام تعكس تحولا مهما في فلسفة السياسة الاجتماعية.
لكن القراءة النقدية تطرح أسئلة أخرى:
هل الدعم الاجتماعي ينتج مواطناً مستقلاً اقتصادياً أم يخلق اعتماداً متزايداً على التحويلات المالية؟
وهل يمكن اعتبار وصول 12 مليون مغربي إلى الدعم الاجتماعي مؤشرا على النجاح، أم دليلاً على اتساع الهشاشة الاجتماعية؟
فالدعم المباشر يخفف الفقر، لكنه لا يبني طبقة وسطى، ولا يعوض غياب شغل قار، ولا ينتج تنمية مستدامة.
رابعا: الصحة… ارتفاع الميزانية واستمرار الأزمة
في قطاع الصحة، قدمت الحكومة أرقاما مهمة:
رفع ميزانية الصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026.
تأهيل 1400 مركز صحي من الجيل الجديد.
توسيع التغطية الصحية الأساسية لملايين المواطنين.
الرفع من عدد كليات الطب ومقاعد التكوين.
لكن رغم هذا المجهود المالي، لا يزال المواطن يواجه:
طوابير طويلة.
نقص الأطباء.
ضغطاً كبيراً داخل المستشفيات.
غياب بعض الأدوية والتجهيزات.
تفاوتاً واضحاً بين الجهات.
وهنا يظهر الفرق بين “التغطية الصحية” و“جودة الخدمة الصحية“.
فالمواطن لا يريد فقط بطاقة علاج، بل يريد علاجا فعليا يحفظ كرامته.
خامسا: التعليم… أرقام التوسيع وحدود الجودة
في التعليم، تحدثت الحكومة عن:
توسيع مدارس الريادة من 626 مؤسسة سنة 2023 إلى أكثر من 4600 مؤسسة.
تكوين أكثر من 80 ألف أستاذ.
توسيع التعليم الأولي.
مواصلة تنزيل خارطة الطريق الإصلاحية.
لكن رغم هذا التوسع الكمي، لا تزال الأسئلة الكبرى قائمة:
هل تحسنت جودة التعلمات فعلاً؟
هل تراجع التفاوت بين المدرسة العمومية والخاصة؟
هل أصبح التعليم العمومي قادراً على إعادة إنتاج الطبقة الوسطى؟
الإصلاح هنا بقي أقرب إلى التوسع الإداري منه إلى التحول العميق في جودة المدرسة العمومية.
سادسا: المالية العمومية… استقرار مالي أم ضغط اجتماعي؟
قدمت الحكومة نفسها كحكومة حافظت على التوازنات المالية رغم الأزمات.
ومن أبرز الأرقام:
ارتفاع الموارد الجبائية من 214 إلى 342 مليار درهم.
تراجع عجز الميزانية من 5.5% إلى 3.5%.
تحسن التصنيف الائتماني للمغرب.
الحفاظ على نسبة مديونية في حدود 67.2% من الناتج الداخلي الخام.
لكن السؤال الجوهري هنا:
من يتحمل كلفة هذا الاستقرار المالي؟
فالطبقة الوسطى والأجراء والمقاولات الصغيرة ظلوا يتحملون الجزء الأكبر من العبء الضريبي، بينما بقي ملف النفقات الجبائية والامتيازات الضريبية الكبرى دون مراجعة حقيقية.
وهنا يبرز التناقض:
الدولة تحتاج إلى المال لتمويل الدولة الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تتخلى عن مليارات الدراهم عبر إعفاءات ونفقات جبائية لا يتم تقييم أثرها بالشكل الكافي.
سابعا: الاستثمار والبنيات التحتية… من يستفيد؟
الحكومة قدمت أرقاماً قوية:
581 مليار درهم من المشاريع الاستثمارية المصادق عليها.
ارتفاع الاستثمار الأجنبي بـ 73%.
توسيع الطاقات المتجددة من 37% إلى 46% من المزيج الكهربائي.
مشاريع كبرى للماء وتحلية مياه البحر.
تطوير الموانئ والطرق والمناطق الصناعية.
لكن السؤال الاجتماعي ظل حاضراً:
من استفاد فعليا من هذه الدينامية الاستثمارية؟
هل انعكست على التشغيل والأجور والخدمات؟
أم أن المغرب يعيش مفارقة “البنيات التحتية المتطورة“ مقابل “القلق الاجتماعي المتزايد“؟
فالاستثمار يصبح بلا معنى سياسي إذا لم يتحول إلى رفاه اجتماعي محسوس.
ثامنا: الحكامة وتضارب المصالح… الجرح السياسي المستمر
رغم كل الأرقام الاقتصادية، بقي ملف تضارب المصالح يلاحق صورة الحكومة.
فوجود رئيس حكومة يملك مصالح اقتصادية كبرى، خصوصا في قطاع المحروقات، جعل جزءا من الرأي العام يشكك في استقلالية القرار الاقتصادي.
كما أن استمرار الحديث عن الاحتكار وهوامش الربح المرتفعة في بعض القطاعات زاد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
السياسة لا تُقاس فقط بالقانون، بل أيضاً بالثقة.
وعندما يشعر المواطن أن السوق غير متكافئة، فإن لغة الإنجاز تفقد جزءا من تأثيرها.
خاتمة: هل نجحت الحكومة في تحويل الأرقام إلى شعور جماعي بالتحسن؟
لا يمكن إنكار أن حكومة أخنوش اشتغلت في ظرفية صعبة:
جائحة كورونا.
الحرب الروسية الأوكرانية.
الجفاف.
التضخم العالمي.
زلزال الحوز.
كما لا يمكن إنكار وجود مشاريع وإصلاحات حقيقية في بعض القطاعات.
لكن الإشكال الأساسي بقي قائماً:
الهوة بين المؤشرات الرسمية والإحساس الشعبي.
لقد نجحت الحكومة نسبياً في الحفاظ على التوازنات الاقتصادية الكبرى، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء شعور اجتماعي واسع بالثقة والاطمئنان.
ولهذا فإن الحكم الحقيقي على هذه الحصيلة لن تحسمه أرقام النمو أو حجم الاستثمارات، بل سيحسمه سؤال أبسط بكثير:
هل شعر المواطن المغربي فعلاً بأن حياته أصبحت أفضل؟






