تحليل

الإمامة في أوروبا.. بين أزمة التكوين وتحولات السلطة

عبد الحي السملالي (أستاذ بجامعة بوركون بفرنسا)
في كل مرة أقترب فيها من موضوع الإمامة في السياق الأوروبي، أجد أن السؤال التقليدي: ما شروط الإمام؟ لم يعد قادراً على تفسير الواقع. فالمسألة لم تعد فقهية، بل تحوّلت إلى سؤال بنيوي أعمق: من يملك سلطة إنتاج صورة الإمام أصلاً؟

هذا التحوّل في زاوية النظر ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم أزمة يعيشها أبناء الجالية يومياً، أزمة لا يلتقطها خطابنا الديني، ولا يعترف بها كثير من الأئمة، ولا تستوعبها المنظومات التي تُنتجهم.

أزمة لا يراها الخطاب الديني

أبناء الجالية في أوروبا يعيشون تحت ثقل تمزّق يومي بين ثقافة البيت وثقافة الشارع، بين قيم الانتماء وإغراءات الفردانية. ومع ذلك، لا يجد هذا التمزّق من يقرأه أو يرافقه.

أغلب المنابر لا ترى هذا العالم أصلاً، لا لأن الأئمة سيّئون، بل لأن المنظومة التي تُنتجهم لا تمنحهم الأدوات النفسية والاجتماعية لفهم هذا العمر الحرج.

فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يتدرّب يوماً على قراءة صراع الهوية، فكيف له أن يرافق مراهقاً واحداً في منعطفه الوجودي؟

والأدهى أن بعض من يعتلي المنبر لا يزال يعيش مراهقته الخاصة: يبحث عن التصفيق، عن بريق الزعامة، عن لحظة يُبهِر فيها الجمهور. هؤلاء لا يحرّرون بغداد من هولاكو، ولا الأقصى من قبضة الظلمة، فكيف ننتظر منهم أن يحرّروا شاباً واحداً من تمزّقه الداخلي؟

بين الدولة والجمعيات… إمام بلا أدوات

الإشكال لا يقف عند حدود ضعف التكوين، بل يتجاوز ذلك إلى البنية التي تُنتج الإمام.

فشروط الإمامة المتداولة اليوم لا تأتي من قراءة دقيقة لواقع الجاليات، بل من موروثات تاريخية رُفعت إلى مرتبة الثابت، ومن تصوّرات حركية وسياسية للإسلام الحركي، ومن جمعيات محدودة المعرفة تدير المساجد بمنطق إداري لا معرفي، ومن انتظارات الدولة الفرنسية التي تريد إماماً “مطمئناً” و“قابلاً للإدارة”.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة صارخة: لا النموذج الحركي يقرأ الواقع، ولا النموذج الرسمي يجيب عن أسئلة الناس.

من وظيفة دينية إلى تقنية اجتماعية

في هذا السياق، لم تعد وظيفة الإمام دينية بالمعنى التقليدي، بل تحوّلت — بفعل الدولة والجمعيات معاً — إلى تقنية اجتماعية لإدارة الهوية واحتواء التوترات.

أصبح الإمام، في كثير من الأحيان، أداة تنظيم رمزي أكثر منه فاعلاً معرفياً.

يُطلب منه أن يهدّئ، أن يطمئن، أن يبرّر، أن يشرح، أن يخفّف…

لكن لا يُطلب منه أن يفكّر، أو أن يقرأ الواقع، أو أن يواجه الأسئلة الحارقة التي يعيشها الشباب.

الثابت والمتخيَّل

الأخطر هو هذا الإصرار على تقديم “الثابت” في الإمامة كأنه نصٌّ مُنزّل، بينما المتحوّل — أي الواقع الأوروبي بكل تعقيداته — يُعامل كاستثناء يجب تطويعه.

لكن السؤال الفلسفي الحقيقي هو: ما الذي بقي ثابتاً فعلاً؟

هل بقي ثابت غير الصورة النمطية للإمام، بينما كل شيء آخر — من التكوين إلى الوظيفة إلى الشرعية — قد تغيّر جذرياً؟

الإمامة كمؤسسة جديدة

الإمامة في أوروبا ليست استمراراً لشيء سابق، بل مؤسسة جديدة تُعاد صياغتها اليوم تحت ضغط الدولة، والمجتمع، والجالية، والإعلام، والهوية.

وكل خطاب يتجاهل هذا التحوّل البنيوي، ويستمر في ترديد شروط قديمة أو في اجترار خطاب إنشائي، إنما يساهم في إنتاج إمامة بلا وظيفة، وخطاب بلا أثر، وشرعية بلا معنى.

خاتمة: نحو إمامة ترى الناس

إن أبناءنا لا يحتاجون خطباً إنشائية، ولا اجتراراً للمتداول، ولا استعراضاً صوتياً.

يحتاجون من يفهم عالمهم، من يقرأ أسئلتهم، من يملك شجاعة التفكير قبل شجاعة الوعظ.

يحتاجون إمامة ترى الناس، لا إمامة تمرّ فوق رؤوسهم.

وإلى أن نعيد بناء مفهوم الإمامة على أسس معرفية واجتماعية جديدة، سيظلّ السؤال معلقاً: من يرافق أبناءنا في هذا المنعطف؟ ومن يملك شجاعة النظر إلى الواقع كما هو، لا كما نحبّ أن يكون؟