سياسة واقتصاد

نفخر بانتصار بلادنا في هذه أيضا ، بل في هذه أساسا

عبد السلام المساوي

    كل الدول المتحضرة سارعت ، من تلقاء ذاتها ، إلى إدانة فعل الانفصاليين الحقير . والجميع ، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ، رأى في القاذف والمقذوف مجرد علامة يأس قاتل ، يريد في اللحظات الأخيرة تماما من هذا النزاع المفتعل ، الذي انتهى بانتصار ساحق للوحدة الترابية للمملكة المغربية ، أن يعرقل قليلا إطلاق صافرة النهاية .

   "مرة أخرى ، تؤكد المملكة المغربية أنها ليست وحدها في مواجهة التحديات والتهديدات التي تستهدف أمنها ووحدتها الترابية ، وذلك من خلال موجة التضامن العربي والدولي الواسعة ، التي أعقبت الهجمات التي تعرضت لها مدينة السمارة من طرف ميليشيات البوليساريو .

   فالمواقف الرسمية الصادرة عن دول عربية وأوروبية لها وزنها السياسي بمحيطها وباقي دول العالم ، لم تكن مجرد ردود فعل عابرة ، بل حملت رسائل سياسية ودبلوماسية قوية ، تعكس المكانة العليا التي أصبح يحتلها المغرب داخل إفريقيا والعالم العربي والفضاء الدولي .

   لقد أبرز هذا التضامن الواسع حجم الثقة التي تحظى بها المملكة ، باعتبارها شريكا موثوقا وجادا في قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي ، ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود ، فضلا عن دورها الريادي في تعزيز التعاون لمواجهة التحديات المستقبلية والدفاع عن قيم السلم والتنمية المشتركة .

   إن تفاعل العديد من الدول بسرعة وحزم مع هذه الهجمات الإرهابية ، يؤكد أن المغرب راكم رصيدا دبلوماسيا مهما بفضل الرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس ، التي نقلت ملف الصحراء المغربية من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة وتحقيق المكاسب ، ولعل أبرز ما يثير الانتباه اليوم ، أن الهجوم الذي قادته ميليشيات البوليساريو جاء في سياق تعيش فيه هذه الجبهة عزلة تامة وتخبطا سياسيا ودبلوماسيا واضحا لمن يدعمها ، سواء بعد النجاحات المتتالية التي حققتها الدبلوماسية الملكية ، سواء من خلال توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء ، أو عبر الدعم المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي ، باعتبارها الحل الواقعي والوحيد لإنهاء هذا النزاع المفتعل .

   إن إقرار مجلس الأمن الدولي بجدية ومصداقية الحكم الذاتي ، شكل تحولا نوعيا في مسار الملف ، ورسخ القناعة الدولية بأن الحل يكمن في سيادة المغرب على صحرائه ووحدته الترابية ، وفي هذا السياق ، جاء الموقف السعودي واضحا وحازما ، حيث أدانت المملكة العربية السعودية بأشد العبارات الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة ، مؤكدة رفضها القاطع لكل أشكال العنف والإرهاب والتطرف ، ومجددة تضامنها الكامل مع المغرب ودعمها لكل ما يحفظ أمنه واستقراره وازدهاره، وهو موقف يعكس عمق العلاقات الأخوية والاستراتيجية التي تجمع الرباط بالرياض ، ويؤكد وحدة الموقف العربي تجاه القضايا المصيرية للمملكة .

   كما حمل الموقف الاسباني بدوره دلالات سياسية قوية ، بعدما اعتبرت مدريد الهجمات التي استهدفت محيط السمارة تطورا بالغ الخطورة يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوض الجهود الأممية الرامية إلى إحياء المسار السياسي ، حيث جددت الحكومة الاسبانية تأكيدها على ضرورة احترام وقف إطلاق النار ، ودعمها المتواصل للمسار الأممي الرامي إلى التوصل إلى حل دائم وعادل ومقبول من الأطراف ، في انسجام تام مع التحول الذي عرفه الموقف الاسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية .

   إن هذه المواقف الدولية المتضامنة مع المملكة ليست فقط إدانة لأعمال إجرامية ترتكبها ميليشيات البوليساريو ، بل هي اعتراف صريح بثقل المغرب السياسي والدبلوماسي ، وبالدور المحوري الذي يضطلع به في حفظ الأمن والاستقرار الإقليميين ، كما أن الأمر يعكس في المقابل حجم العزلة التي أصبحت تعانيها الأطروحات الانفصالية ، وغرقها في مستنقع الجرائم واحتضان الإرهاب ومحاولة بلقنة المنطقة ، أمام تنامي القناعة الدولية بعدالة قضية المغرب ، ووجاهة الحل الذي تقترحه المملكة تحت سيادتها الوطنية الكاملة ، والملك محمد السادس عندما أعلن عن عيد الوحدة فإنه في العمق إعلان يعبر عن قوة الوحدة الوطنية والترابية الراسخة ، وتجسيد التلاحم بين العرش والشعب ، للخروج من أعقد الأزمات أكثر قوة وثباتا ، نحو تحقيق الأفضل للشعب المغربي ، وعيشه في سلام واطمئنان . " ( ج الأخبار ) .

   هذا الوطن مصر حتى النهاية على إقفال الملف إقفالا كاملا ونهائيا ، بحكم ذاتي تحت سيادة المملكة المغربية ، يفتح في تلك الصحراء العزيزة مستقبل ازدهار غير مسبوق للجميع ، ويقدم من خلال تنمية اقتصادها ، وربطه بتنمية القارة الافريقية ، وتنمية ناسها ، نموذج سياسة ملكية حكيمة وذكية تتميز عن الآخرين بطريقة تدبيرها لصراع مفتعل دام عقودا ، وكان يهدف إلى تدمير المكان وتشتيته ، وأصبح اليوم بفضل " النبوغ المغربي " درسا يحتذى به في السياسة العالمية عن الاتزان والحكمة والرصانة والهدوء في تدبير الصراعات .

   نعم ، نفخر بانتصار بلادنا في هذه أيضا ، بل في هذه أساسا ، لأن قضية وحدتنا الترابية هي قضيتنا الأولى والأساسية والمصيرية ، ونعتبره انتصارا مندرجا ضمن انتصارات أخرى كانت ، وانتصارات أخرى ستأتي بكل تأكيد بإذن الله .

   لذلك نشكر إخوتنا وأشقاءنا وأصدقاءنا، والعالم المتحضر الذي تضامن معنا ، ونواصل المسير .

   بالمقابل ، لدينا عتب صغير ولوم أصغر على بعض قليل جدا من بني الجلدة ممن يتضامنون مع أي شيء وقع في دول المعمور البعيدة ، وإن كان هبة ريح صغيرة اقتلعت شجرة في ميانمار أو أقصى أفغانستان ، والذين سكتوا سكوتا غريبا عما وقع في السمارة .

   لدينا عتب ولوم صغيران فقط ، ولا نريد الإطالة في الكلام ، لئلا يقال إننا نشكك في شيء ، أو نخون أحدا ، أو نتهم - معاذ الله - مغاربة مثلنا بالنكوص عن نصرة وطنهم في الوقت الذي " يتحيرون " فيه ( من التحيار ومن الحيرة أيضا ) حين يتعلق الأمر بقضايا الأجانب .

   لن نقول شيئا ، فقد رأى المغاربة كل شيء ، وفهموا أن هناك رسوما تجارية تجلب النضال المدر للدخل الكثير ، يتحمس لها هؤلاء " المتحيرون " ، ويقيمون حولها لطميات تبدأ ولا تنتهي ، بالمقابل هناك صمتهم الفاضح اليوم على ما مس السمارة ! 

   مرة ومرات ، نقولها ونكررها ، شكرا لكل الأشقاء والأصدقاء الذين جهروا بها ، وقالوا "أمن المغرب من أمننا ، وما تفعله ميليشيا الانفصال ، بعد أن استوعبت تماما أن الجزائر نفضت يدها منها ، وأعلنت القبول ، بل والسمع والطاعة ، للقرار الأممي ، ولتأييد المنتظم الدولي كله لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب ، هو أمر مرفوض يدل فقط ، بالإضافة إلى اليأس ، على الكثير من الصعلكة التي كانت الميسم المميز للبوليساريو منذ نشأتها، وحتى ماتت بحكمة مغربية مذهلة ." 

   شكرا لكل الدول التي تضامنت مع المغرب ، لأنها تعرفه بلد التحضر في المنطقة ، ووطن السلام ، ومفتاح بقاء كل هذا المجال المتوسطي والمطل على بوابة إفريقيا بعيدا عن توترات لا قبل لأحد بها .

   شكرا لكل المتضامنين .