فن وإعلام

حتى ملاذ الحلم يظهر مستعصيا

أحمد الطاهري (صحفي/ كاتب)

يواصل القاص والإعلامي والشاعر المغربي، علي أزحاف، صقل قصيدته بحذاقة، ليغمرها بذلك بنفس أكثر توهجا، وهو يفضح هشاشة وأعطاب الكائن والوجود...

فبعد دواوين "ترانيم بوذا الصغير" (2015)، و"يستبد بالحديقة الفراغ" (2016)، و"تحت جلدي مقبرة" (2017)، و"طرق بسيطة لفهم العالم" (2018)، و"الظلام في الأصل صياد" (2022)، و"ثقل الماء، خفة الغرق" (2024)، صدر له ديوان بعنوان: "كأس وأكثر..."، عن دار (تشكيل للنشر والتوزيع). 

يقع الديوان، الذي وقعه الشاعر في المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي أسدل ستار دورته ال31 يوم الأحد الماضي بالرباط، في 147 صفحة من القطع المتوسط، ويضم 85 قصيدة.

وعلى غرار الدواوين السابقة، ثمة قلق جلي يخيم على القول الشعري في هذا الديوان، وثمة حنين جامح إلى ذاك الصفاء المفقود.. تلك الخسارة الفادحة المتمثلة في الاشتهاء الأول في كل شيء، وكل ما لم تلوثه يد الزمن...

ينساب القول الشعري مقتصدا متقشفا، بسيطا ناصعا بلا رتوش أو زخرفة .. يتجلى عاريا منكسرا متوترا وهو يعري سوءات الوجود في أشد تمظهرها.. الغياب، الوحدة، الفراغ، الصمت، التعب، الحزن، اليأس، النهاية...

والحالة هذه، حتى الأمل يبدو واهنا، والحب مستحيلا.. إذ يكتب الشاعر عن "المرأة المحبوبة ذات خيال...".

وحتى ملاذ الحلم يظهر مستعصيا إلى درجة أن الشاعر يستحضره قسرا، فيبدو المشهد معطوبا للغاية.. "في الحلم الذي لم يزرني الليلة،/ رأيت نفسي أقف/ على كتف الطريق،/ أسرق من الشجرة/ أوراقها،/ من الأرض/ تربتها،/ من الشمس/ إشراقها،/ من الحياة/ جمالها،/ ومن قلب امرأة،/ زهور حبها/ التي ذبلت/ منذ سنين".

تحضر تيمة الموت، بقوة، في الديوان.. الموت الكاسح، الساحق، الحاصد لرقاب العابرين في الحياة الذاهبة..

يكتب الشاعر: "عمارة قديمة،/ هي الحياة، السكان/ عابرون، والموت/ حارس (...) من حسن حظي/ أنني آخيت الموت/ منذ صغري/... كلما تعبت/ وعافتني نفسي،/ عانقت جثتي ونمت (...) أسير ببطء،/ أعرف أن الموت صديقي،/ وحده ينتظرني آخر الطريق (...) لا صوت/ لخطوات/ الموت/ حين يأتي،/ ولا شمس/ تلقي على/ قامته الظلال".

ولأنه شاعر شفيف، يغرف من قاموس الهشاشة المطوقة لكينونته.. الهشاشة التي تظهره عاجزا، منفردا، غريبا ومغتربا عن ذاته وعن العالم.. "من أين يأتي/ كل هذا الصمت الذي/ تغرب في/ أفقه السماء..؟/ من أين يأتي/ كل هذا/ الموت؟ (...)وكأني وحدي/ عائد/ من مدن البرد/ والعراء إلي،/ أحمل كفني/

بين يدي".

أمام هذا العراء الفاضح، يظل الشعر دثارا لصقيع الوجود وقسوته، كما الكأس ترياقا لوهن القلوب المثقلة باليأس والأمل.. "أيكفي/ كل هذا التعب لأشرب/ كأسا واحدة/ وأنام؟/ أم أن الليل/ حين يصرخ/

من حولي،/ يملأ قلبي/ بحقول العطش..؟".

وأمام هذا اليباس العميم والخواء العظيم، تنتصب الأسئلة القلقة المحيرة، شاهدة على جسامة الوجود وفداحته.. "في بلاد اللا أحد/ يموت الماضي،/ يموت الحاضر،/ ويبقى المستقبل وحده/ هائما بين الأسئلة../ لم جئنا؟/ متى نرحل؟/ أين ننتهي؟/ والجواب سر لا يعرفه أحد،/ في بلاد اللا أحد/ لم نكن ندري،/ أن الذهاب/ يعني الغياب،/ وأن الغياب/ موت غريب".